الصفحة 108 من 138

يتعرَّضُ لدعوةٍ جديدةٍ تنادي بنَبْذِه، سواءٌ في ذلك البدوُ والفلاَّحون والصُّنَّاع والمثقَّفون وكلُّ طوائفِ البشَرِ وطبقاتِهم، وكذلك الأدباء والنُّقادُ لدن ظهورِ أيِّ مذهبٍ أدبِيٍّ أو نقديٍّ لَم تكنْ للساحةِ الكِتابية به عهدٌ؛ إذ سَرعانَ ما تنشِبُ المعارك بين القديمِ والجديدِ إلى أن يُكْتَبَ لأحدِهما النَّصرُ، وينزويَ الآخرُ بعيدًا عن الأنظار، ومِن هذا ما أتت به"أمينة ودود"و"إسراء النُّعماني"زميلتا كاتبتِنا في الاتجاه النِّسوي"الإسلامي"من إمامتِهما للرِّجالِ والنِّساءِ في صلاة الجمعةِ، ممَّا أنكره عليهما كلُّ المسلمين، ما عدا أقليَّةً جدُّ ضئيلةٍ، اللهمَّ إلا إذا اتَّهمتْ كاتبتُنا مَن أنكر عليهما من المسلمين بأنهم وثنيُّون، وهو ما لا أظنُّه؛ إذ أقصى ما يمكِنُ أنْ تنبِذَهم به هو أنهم مُغلَقو الذِّهنِ، متعصِّبون للقديم؛ ذلك أنَّ السيدة"بارلس"تدَّعِي أنَّ"البطرياركية"سِمَةٌ مقصورةٌ على المجتمعاتِ الوثنية:"The basis of the polytheists' faith as they themselves declare it is adherence to patriarchal traditions [ص 112] ، وفى النَّصِّ التالي نسمعُ يوسفَ - عليه السلام - يقول: إنَّه اتَّبعَ مِلَّة"آبائه"، رغم أنها بطبيعة الحالِ مِلَّةُ التوحيدِ، لا الوثنية: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} [يوسف/ 37 - 38)."

على أنَّ القرآنَ لا يدعو المسلِمَ إلى مقاطعةِ أبيه"أو أمِّه"لو ظلَّ على كفرِه، بل أمَرَه بإحسانِ صحبتِه رغم ذلك، على عكس ما تقولُ"أسما بارلس"في كلامِها عن إبراهيمَ الخليلِ وأبيه الكافرِ الذي لم يُصِخْ لدعوةِ فِلْذةِ كبِدِه التوحيديَّةِ، وظلَّ يعبُد الأصنامَ مع قومِه"انظر ص 109 وما بعدها"، ولا يستطيع المسلمُ أن يُغفِلَ الوصيةَ التالية التي تُوجِبُ عليه معاملةَ الأبوين الكافرين معاملةً طيِّبةً مع التمسُّكِ بالحقِّ الذي يمثِّلُه التوحيدُ: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان/ 14 - 15] ، {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت/ 8] .

أما الآيةُ التالية فنزلت بشأنِ أُمٍّ مشركة أتت من مكَّةَ لزيارة ابنتِها المسلمةِ في بيت زوجها بالمدينة المنورة، فرفضت الابنةُ أن تستقبلَها أو أن تقبلَ منها هداياها، يقول - تعالى: لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت