فهرس الكتاب
يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة/8 - 9] ، وسببُ نزولِ هذه الآيات أنَّ قُتَيْلَة بنت عبدالعُزَّى قَدِمَتْ على ابنتِها أسماءَ بنت أبي بكر بهدايا: ضِبابٍ وسمنٍ وأَقِطٍ، فلم تَقْبَل هداياها، ولم تُدْخِلْها منزلَها، فسألتْ عنها عائشةُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ"... الآيةَ، فأدخلتْها منزلَها، وقبلتْ منها هداياها. وهناك حديثٌ آخَرُ في هذا الموضوع تقولُ فيه أسماء:"قَدِمَتْ عليَّ أمِّي وهي مشركةٌ في عهد رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فاستفتيتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم، قلتُ: إنَّ أمِّي قدِمَت وهي راغبةٌ، أفأَصِلُ أمِّي؟ قال: (( نعم، صِلِي أمَّك ) ).
ومُضِيًّا مع هجوم السيدة"بارلس"على"البطرياركية"نراها تفسِّرُ قولَه - تعالى: عن رسولِه محمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب/40] بأنَّ المرادَ هو أنَّه لا يصحُّ أنْ يمارس النبيُّ مع أمِّته دورَ الأبِ، بمعنى أنَّهم لا ينبغي لهم أن يتَّبِعوا خُطواتِه كما كان الجاهليُّون يتَّبعونَ خُطواتِ آبائهم (ص 121 وما بعدها) ، وفاتَها أنَّ الآيةَ لا عَلاقةَ لها بشيءٍ من هذا، بل نزلت في سياقٍ مختلفٍ تمامًا، وهو سياقُ زواجِه - عليه السلام - بزينبَ بنت جحشٍ ابنةِ عمِّتِهِ، التي كانت على ذمَّةِ رَبيبِه زيدِ بن حارثةَ، فلما طلَّقَ زيدٌ زينبَ بعد أن صارت العِشْرةُ بينهما مستحيلةً، وتزوَّجَها الرَّسولُ بعد تردُّدٍ وشعورٍ بالحرجِ عاتبه اللهُ عليهما، أخذ النَّاسُ يتساءلون مستغربين - إن لَم يكنْ مستنكرين: كيف له أن يتزوَّجَ امرأةَ ابنِه؟ فنزل القرآنُ يحكي ما وقع معقِّبًا على الدَّهشةِ التي أثارها الزَّواجُ: بأنَّها دهشةٌ لا معنى لها؛ إذ إنَّ زيدًا ليس ابنًا للرَّسولِ، بل هو عبدٌ سابقٌ له، أعتقه ثم تبنَّاه، ولكن بعد ما نزلت الآيةُ الخامسةُ من نفس السُّورةِ بتحريمِ التبنِّي وتمَّ القضاءُ على هذا النِّظامِ - لَم يعُدْ زيدٌ له ابنًا، ومِن ثَمَّ لَم يكن للدهشةِ ولا الاستنكارِ أيُّ مكانٍ في الموضوعِ، هذا هو معنى الآيةِ، أما ما قالته"بارلس"فلا معنى له، ولا يمكِنُ أن يستقيمَ أبدًا.
ولقد فات المؤلِّفةَ شيءٌ في الغاية من الأهمية، وهو أنَّ الرَّسولَ - وإن لَم يكن أبًا لأحد من رجالِ العربِ - لقد كان أبًا لعددٍ من نسائِهم، وهنَّ زينبُ وأمُّ كُلثومٍ ورُقيَّةُ وفاطمة، علاوةً على إبراهيمَ، الذي سيولَدُ له بعد ذلك بقليلٍ، وسيكونُ - من ثم - بسببِه أبًا لأحدٍ من العرب، ولكن لفترةٍ جدُّ قصيرةٍ للأسف الشديد؛ إذ سرعان ما صَوَّحَتْ تلك الزَّهرةُ الغضَّةُ النديةُ وهي