الصفحة 113 من 138

فنجيبُ بأنَّه:"لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالقِ"، وأنَّه"إنْ جاهداك على أن تشركَ بي ما ليس لك به عِلْمٌ فلا تُطِعْهما"، ولكنْ"صَاحِبْهما في الدنيا معروفًا"رغم هذا.

كذلك فالقرآنُ يوجبُ احترامَ الكبارِ بإطلاقٍ، أفليس أحرى بالأبناءِ إذًا أن يحترموا آباءَهم، على الأقلِّ لكِبَرِ سِنِّهم، وتأديةً لواجبِهم نحوهم لقاءَ عطفِهم عليهم، وتنشئتِهم إياهم، وقيامِهم بحاجاتِهم، وبِرِّهم بهم في صِغَرِهم حتى شبُّوا ونضِجوا، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( ليس منَّا مَن لَم يرحمْ صغيرَنا، ولَم يعرِفْ شرفَ كبيرِنا ) )، وبهذا يتبيَّنُ الفرقُ بين متابعة الأبناءِ للآباء في الجاهليةِ وبين طاعتِهم لهم في الإسلامِ، فلا خوف إذًا من الخلطِ بين الأمرينِ.

ولقد يبلغ البِرُّ بالأبِ في الإسلام المبلغَ الذي يقول فيه الرسولُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - لمن أتاه يشكو من أنَّ أباه يريد أن يأخذَ من مالِه للإنفاقِ على إخوته الصِّغارِ: (( أنت ومالُك لأبيك ) )، وهذا نصُّ الحديثِ، وفيه"أنَّ رجُلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ الله، إنَّ لي مالًا وولدًا، وإنَّ والدي يحتاجُ مالي، قال: (( أنت ومَالُك لأبيك، إنَّ أولادَكم من كَسْبِكم، فكلوا من كَسْب أولادِكم ) )، فما الذي يريده بعضُنا بعد هذا لنعرف مكانةَ الأبِ ووجوبَ احترامِه في دينِ محمَّدٍ؟"

ومع هذا فإنَّ احترامَ الأبِ شيءٌ آخرُ غيرُ"البطرياركية"، فالابنةُ - مثلًا - هي صاحبةُ الحقِّ في الموافقةِ على الخاطب الذي يتقدَّمُ لطلبِ يدِها، أو رفضِه دون أن يكونَ للأبِ الحقُّ في إكراهِها على الاقتران بمَن لا تريد، كما أنَّ للبنت الحقَّ في التعليم والتربيةِ الكريمةِ مثل الولدِ سواءً بسواء.

وهذه بعض أحاديثَ في ذلك الموضوع: (( ليس للأبِ مع الثَّيِّبِ أمرٌ، والبكرُ تُسْتَأْمَرُ، وإذنُها صُمَاتُها ) )،"تُسْتَأْمَر اليتيمةُ في نفسِها: فإن سكتَت فهو إذنُها، وإن أبت فلا جواز عليها )) ،"جاءت فتاةٌ إلى النبيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فقالت: إنَّ أبي زوَّجني ابنَ أخيه ليرفعَ بي خسيستَه، قال: فجعل الأمرَ إليها، فقالت: قد أَجَزْتُ ما صنع أبي، ولكن أردتُ أنْ تعلمَ النِّساءُ أنْ ليس للآباءِ من الأمر شيءٌ"، (( من كان له ثلاثُ بناتٍ يؤدِّبُهن ويرحمُهن ويكفُلهنَّ وجبت له الجنَّةُ البتةَ ) )، قيل: يا رسولَ الله، فإن كانتا اثنتين؟ قال: (( وإن كانتا اثنتينِ ) )، قال: فرأى بعضُ القومُ أنْ لو قال: واحدة، لقال: واحدة"، (( من كان له ثلاثُ بناتٍ فصبرَ عليهن وأطعَمهنَّ وسقاهن وكساهنَّ من جِدَتِه كنَّ له حجابًا من النَّارِ يوم القيامة ) ).

كذلك ترثُ البنتُ من مالِ أبيها كما يرثُ الولدُ، رغم أنها لا يجبُ عليها شرعًا أن تقومَ بنفقةِ أحدٍ من الأسرة، بل هو، وإذا كان الابنُ يرثُ ضِعْفَىْ نصيبِ الابنة فهناك إناثٌ أخرياتٌ في مستوياتٍ ودرجاتٍ أخرى من القرابةِ يَرِثْنَ نصيبًا أكبرَ من نصيب نُظَرائِهِنَّ الذكور، علاوةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت