فهرس الكتاب
إنَّ الفروقَ الفردية موجودةٌ بين كلِّ إنسانٍ وآخر، وهذه الفروقُ لا يترتَّبُ عليها شيءٌ مما تُعلِنُ الكاتبةُ خشيتَها منه ومِن تداعياته، فما الفرق بين أن تكونَ هناك فروقٌ فرديَّةٌ وبين أن تكونَ هناك فروقٌ نوعيَّةٌ بين البشَرِ؟ إنَّ الحسابَ الإلهيَّ لهو حسابٌ عادلٌ ودقيقٌ، ويراعي ظروفَ كلِّ شخص، أيًّا كانت تلك الظروفُ: سواءٌ كانت ظروفًا نفسية أو اجتماعيَّةً أو طبَقيةً أو مِهْنية أو أُسَرية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية أو بيولوجية ... وهلُمَّ جرًّا؛ إذ ما من شيءٍ من ذلك إلا وله تأثيرٌ ما على شخصية الفردِ وعقلِه وذَوقِه وحِسِّه الخُلقي وسلوكِه ونظرتِه إلى الحياة وإرادتِه، ألم يقُلْ - جل شأنُه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ؟ والإرادة البشرية ليست شيئًا مطلقًا، بل تخضعُ لضغوطٍ ومحفِّزات ومعوِّقاتٍ ومؤثِّرات شتًّى، وكل شيءٍ من ذلك يدخلُ في الحسبانِ، وفى الحساب، وهذا مظهرٌ من مظاهرِ العدل الإلهي، الذي لن تخضعَ له وحده المحاسبةُ الأُخروية، بل هناك أيضًا رحمةُ الله لعباده، تلك الرَّحمة التي من الممكنِ أن تغفرَ الذُّنوبَ جميعًا؛ كما قال المولى - عز شأنُه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .
وإلى القارئ الكريمِ هذه النُّصوصَ التي تبيِّنُ اختلافَ الحساب الإلهيِّ للبشر ما بين كلِّ حالةٍ وأخرى؛ رغم أنَّ العملَ واحدٌ: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة/ 101] ، {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب/ 30 - 31] ، {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد/ 10] .
وعن علي بن أبى طالبٍ قال:"بعثني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والزُّبيرَ وأبا مَرثدٍ، وكلُّنا فارسٌ، قال: (( انطلقوا حتى تأتوا رَوضةَ خاخٍ، فإنَّ فيها امرأةً معها صحيفةٌ من حاطب بن أبي بَلْتعةَ إلى المشركين، فأتوني بها ) )، فانطلقنا على أفراسِنا حتى أدركناها حيث قال لنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - تسير على بعيرٍ لها، وكان كَتَبَ إلى أهلِ مكَّةَ بمسيرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فقلنا: أين الكتابُ الذي معك؟ قالت: ما معي كتابٌ، فأنَخْنا بها بعيرَها، فابتغينا الكتابَ في رَحْلِها فما وجدنا شيئًا، فقال صاحبي: ما نرى معها كتابًا، قال: فقلتُ: لقد عَلِمْنا ما كَذَب رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم حلَفَ عليٌّ: والذي يُحْلَف به، لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لأُجَرِّدَنَّك، فأَهْوَتْ إلى"