الصفحة 119 من 138

الجسديةُ وحدها فيما لو قيل: إنَّ المواهبَ التي أفاضها اللهُ على الرَّجُلِ لا تفترقُ في شيءٍ عن تلك التي أفاضها على المرأة، وهيهات.

وإذا كانت بعضُ الأنظمةِ قديمًا قد أعطت الرَّجُلَ حقوقًا ظالمةً فلا يصحُّ أنْ تُشْهَرَ هذه الحجَّةُ في وجوهِنا؛ إذ قلنا وكرَّرنا القولَ: بأنَّنا إنَّما نتكلَّمُ عن قوامةِ الرَّجُلِ للأسرةِ ليس إلا.

لقد بلغت مكانةُ الأبِ في الإسلام أنَ يقولَ الرَّسولُ الكريم: (( إنَّ أَبَرَّ البِرِّ هو أن يَوَدَّ الرَّجلُ من كان أبوه يَوَدُّه في حياتِه ) )، فانظر، أيها القارئُ العزيز، كيف تصلُ مكانةُ الأبِ في دين محمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - إلى المدى الذي يطالَب عنده المسلمُ بمراعاة تلك المكانةِ حتى بعد وفاته:"عن عبدالله بن عمر أنَّ رجلًا من الأعرابِ لقِيَه بطَريقِ مكَّةَ، فسلَّم عليه عبدُالله، وحمَلَه على حمارٍ كان يركبُه، وأعطاه عِمامةً كانت على رأسِه، فقال ابن دينارٍ: فقلنا له: أصلحك اللهُ، إنهم الأعرابُ، وهم يَرْضَوْن باليسيرِ، فقال عبدُالله: إنَّ أبا هذا كان وَادًّا لعمرَ بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه - وإني سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الولدِ أهلَ وُدِّ أبيه ) )، وانظر كذلك، أيها القارئُ العزيزُ، كيف ينهى رسولُ الله المسلمين عن الانتسابِ إلى غير آبائِهم: كفَّارًا كانوا أو مؤمنين؛ إذ يقول: (( لا تَرْغَبوا عن آبائِكم، فمَنْ رَغِبَ عن أبيه فإنه كُفْرٌ ) )، وعن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يوصيكم بأمَّهاتِكم، إنَّ الله يوصيكم بآبائِكم، إنَّ الله يوصيكم بالأقربِ فالأقربِ ) )، وجاء رجلٌ من بني عامرٍ إلى النبي فقال:"يا رسولَ اللهِ، إن أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ ولا العمرةَ ولا الظَّعن"، قال: (( احْجُجْ عن أبيك واعْتَمِرْ ) )، وعن جابر بن عبدالله أنَّ رجُلًا قال: يا رسولَ الله، إنَّ لي مالًا وولدًا، وإنَّ أبي يريد أن يجتاحَ مالي، فقال: (( أنت ومالُكَ لأبيك ) )."

ولقد تكرَّر من النبيِّ استعمالُه صيغةَ:"وأبيك"كنوعٍ من التأكيد لِمَا يقوله، وفي هذا من المغزى عن مكانة الأبِ في الإسلام ما فيه، رغم ما في الكلمة من عفَويةٍ لا عَلاقة لها بالقَسَمِ: عن أبي العُشَراء الدَّارميِّ عن أبيه أنه قال: يا رسولُ الله، أما تكونُ الذَّكاةُ إلا في الحَلْقِ واللَّبَّة؟ قال: (( وأبيك، لو طعنتَ في فخِذِها لأَجْزَأَ عنك ) )، وعن أبي هُرَيرَةَ قال: جاء رجُلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ الله، نَبِّئْني بأحقِّ النَّاس منِّي بحسن الصُّحبة، فقال: (( نعم، وأبيك لتُنَبَّأَنَّ! أُمُّك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمُّك ) )قال: ثم من؟ قال: (( أبوك ) )، وعن أبي هُرَيرَةَ قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الصَّدقةِ أعظم أجرًا؟ قال: (( أَمَا وأبيك لتُنَبَّأَنَّه، أنْ تَصَدَّق وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقر وتَأْمُل البقاءَ، ولا تُمْهِل حتى إذا بلغتِ الحلقوم قلتَ: لفلانٍ كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت