فهرس الكتاب
والمجتمع السليم يقوم على التوادِّ والتراحُم وعلى إخلاصِ كلِّ عضوٍ فيه لوظيفتِه وقيامه بها راضيًا لا يملُّ ولا يتذمَّر، فهو كالجسمِ الذي ينصرفُ كلُّ عضوٍ فيه إلى أداءِ عمَله ووظيفتِه، لو توقَّف أحدُ أعضائه عن أدائها لتوقَّف واختلَّ ... والرجل الذي يكدُّ ويجهد نفسَه ويرهقها في العملِ خارج البيت محتاجٌ إلى زوجةٍ متزيِّنة متعطِّرة ناعِمة البال يأنس بها، ويسكن إليها ممَّا يجده مِن عناء، وتُسَرِّي عنه بعضَ ما يَعتريه مِن السأم والإجهاد، وما يترك في نفسِه عُنفُ التعامل مع الناسِ مِن آثار الضِّيق والملل، وكدْح المرأة في ميادين الأعمال العامة يَصرِفها عن رِعاية الزوج والولَد كليهما لا شكَّ في ذلك؛ لأنَّها تعود إلى البيت مكدودة مرهَقة كالرَّجل، فأيهما هو الذي يُسَرِّي عنِ الآخر؟! وأيهما هو الذي سيتَّسع صدرُه لمداعبةِ البنين واحتمال ما لا بدَّ أن يُحْتَمَل في تربيتهم مِن ضجيجِ مرحِهم، وأنينِ ألَمِهم، وصراخ أوجاعهم؟! وهل تُصبح الحياةُ عندَ ذلك إلا عناءً وشقاءً للمرأة والرَّجُل كليهما؟! وهل يصبح الفرد، رجلًا كان أو امرأة أو طفلًا، إلا تُرْسًا من تروس آلة صمَّاء في حياة لا سكَن فيها ولا قرار؟!
ويَستطيع كلُّ ذي لُبٍّ وبصيرة أن يُدرك آثارَ الفشل الذي حاق بتجارِبِ المجتمع الأوربي والأمريكي في هذه الناحية، مع أنَّ هذه الآثارَ لم تبلغْ بَعدُ مداها، ولا تزال سائرُ عقابيلها في الطريق، فهذا الجيلُ الغربي مِن التائهين والضائعين المحطَّمي الأعصاب المبلبَلي الأفكار، القَلِقي النفوس، وهذه النسبة الآخِذة في الارتفاع حسبَ إحصاء الغربيِّين أنفسهم للانحرافِ والشذوذ بكلِّ ضروبه وألوانه، هذه الظواهر والآثار كلُّها هي مِن آثار التجرِبة التي خاضها الغرب في المرأة؛ لأنَّ هؤلاء جميعًا هم أبناء العاملات والموظَّفات الذين عانَوا مِن إرهاق أمهاتِهم وهم في بطونهنَّ، ثم تعرَّضوا لإهمالهنَّ بعدَ أن وضعنَهم، وماذا يبقَى للناس مِن تجرِبة فاشلة كهذه؟ ألا يتدبَّرون؟"؛ (د. محمد محمد حسين/ حصوننا مهدَّدة من داخلها/ ط 6/ مؤسسة الرسالة/ 1401 هـ- 1981 م/ 92 - 94) ."
هذا، ولا أُنكِر أنَّ المرأةَ قد تكونُ في بعضِ الحالات أقوَى مِن الرجل شخصيةً، وأقدر منه على التصرُّف وتدبير الأمور، وأذكر في هذا السياق أنَّه كانتْ تسكن بجوارنا في يومٍ مِن الأيام أسرةٌ مكوَّنة من زوج وزوجة وأبناء، وكانتِ الزوجة أُميَّة، والزوج خِرِّيجَ جامعة، ومع ذلك كان الزوجُ بوجهٍ عام يخاف مواجهةَ الناس، وكانتِ الزوجة هي التي تُدبِّر كثيرًا مِن أمور الأُسرة، وكل ما عليه هو أن يُعطيَها مصروفَ الشهر وما يحتاجه البيت، والله يحبُّ المحسنين! وفي مثل هذه الحالة تُسوِّي الحياة أوضاعها حسبَ ما يجري في الطبيعة والواقِع، فتكون الإدارة الفعليَّة بيدِ المرأة، إلاَّ أنَّ هذا قليل، ولا ينبغي أن يَكسِرَ القاعدة العامة التي قرَّرها القرآن الكريم.