الصفحة 31 من 138

فمِن المعروف أنَّه ما مِن قاعدةٍ عامة إلاَّ وهناك حالاتٌ تشذُّ عنها، لكنَّها لا تَهدِمها، وإلا لبطلتْ جميعُ القواعد والقوانين في الدنيا، بل قد تكون الزوجةُ قويةَ الشخصيَّة، وزوجها قويَّ الشخصيَّة أيضًا، فيستشيرها ولا يجد أدْنى غضاضةٍ في أن يأخُذَ برأيها، كالذي كان بيْن أبي العبَّاس السفاح الخليفة العباسي وزوجته أُمِّ سلمة بنت يعقوب بن عبدالله المخزومي مثلًا؛ إذ كانتْ سيِّدةً ذات عقل وحزم غلبتْ على أمرِ زوجها غلبةً شديدة، فكان لا يَقطع أمرًا إلاَّ بمشورتها، وكان قد حلَف ألاَّ يتزوج عليها أو يتسرَّى بأَمَةٍ أو يُغيِّرها، فوفَّى لها بما حلَف عليه (انظر عمر رضا كحالة/ أعلام النساء/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ 2/ 235 - 236) .

وفي رأي السيِّدة بارلس أنَّ المشكلةَ في الظلم الواقِع على النساء لا تعود إلى القرآن ذاته، بل إلى تفسيرِ القرآن تفسيرًا خاطئًا بسببِ الاعتماد على الأحاديث غيرِ الصحيحة التي يَظنُّ المسلمون صحَّتَها مع ذلك، ولا بدَّ - إذًا - مِن إعادة تفسيرِ القرآن من قِبَل المرأة كما تقول؛ ذلك أنَّه لا يمكن تغيير وضْع المرأة في المجتمعات الإسلاميَّة إلا إذا انطلقنا مِن القرآن وتعاليمه وتفسير تلك التعاليم تفسيرًا تحرريًّا، وهو ما يَفوت العلمانيين المنتسبين إلى الإسلام؛ إذ يَنطلقون من مُنطلَق آخَر، ومِن ثَمَّ يَفشَلون في مهمَّتهم حسبما تؤكِّد مؤلِّفتُنا.

وأنا مع السيِّدة بارلس في أنَّ القرآن (ومعه السُّنة النبويَّة الشريفة) يَنبغي أن يكونَ هو المنطلقَ السليم لا لمعرفةِ حقوق المرأة فقط، بل حقوق الرَّجُل أيضًا والأمَّة كلها، وكذلك الواجبات قبلَ الحقوق؛ ذلك أنَّ الحياةَ ليستْ حقوقًا وحسبُ، بل حقوقًا وواجبات، بل واجبات قبلَ الحقوق؛ إذ كيف يحصُل الإنسان - فردًا كان أو جماعة - على حقوقِه قبلَ أن يقوم بواجباتِه؟!

ترَى هل يمكن أن يتمَّ أيُّ إنجاز يطالب الشخصَ أو الجماعة بحقوقهما فيه قبل أن يقومَا بواجباتهما فينجزاه فعلًا، وعلى نحوٍ مُتْقَن؟ الواقِع أنَّ الواجب لا بدَّ أن يسبق الحقَّ؛ إذ إنَّ هذا مترتِّب على ذاك بالبداهة، لكنِّي لستُ معها في أنَّ السبيل إلى ذلك بالضرورةِ هو قيامُ النساء بالتفسير؛ لأنَّه إذا كان الدافع لها إلى هذا القول هو اتِّهامها للرِّجال بالخطأ في فَهم النصِّ القرآني أو لَيِّه عن مقاصده لسببٍ أو لغيره، فإنَّ النساء لسْنَ أفضلَ حالًا مِن الرجال، فهنَّ بشَرٌ مثلما أن الرِّجال بشَر، وإذا قيل: إنَّ الرجالَ سوف ينحازون في تفسيرِهم إلى جِنسهم فيَظلمون المرأة مِن ثَمّ، فإنَّه يُمكن القول مِن نفس المنطلق بأنَّ النساء سوف يَنحزْنَ إلى جِنسهن فيزعُمنَ لأنفسهنَّ ما ليس مِن حقِّهنَّ مِن ثَمَّ ويظلمنَ الرجل. لو أنَّها قالت: إنَّ المطلوبَ هو تعاون الجميع في تقديم أفضل تفسيرٍ ممكنٍ لما خالفناها في شيءٍ، فالأمر أولًا وأخيرًا هو أمرُ تعاون لا تخاصُم ولا تطاحن بيْن الرجل والمرأة؛ إذ هما شقيقانِ كما قال رسولُنا الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت