فهرس الكتاب
كذلك فإنَّ قولها: إنَّ النساءَ المسلماتِ لا يهتممنَ بمعرفة حقوقهنَّ ولا بالقراءة الصحيحة التحرريَّة للنصِّ القرآني، بل يَقبلنَ بالقراءة الأبوية لتلك النصوص، وهو ما يؤدِّي إلى استمرار المعاملة الظالِمة لهنَّ، ومِن ثَم كان لا بدَّ مِن إظهار وجه الخطأ في المنهَج التقليدي لقِراءة القرآن وتقديم منهج آخَر تحرُّري لقِراءته: إنَّ قولها هذا يعني أنَّ جميعَ التفسيرات القرآنية حتى الآن هي تفسيرات خاطِئة تقوم على ظُلمِ المرأة وهضْم حقوقها، لا لشيءٍ إلاَّ لأنَّها مثلًا تقول بأنَّ للرجال على النساء درجةً، وهذا ما لا نُوافِقها عليه.
كما أنَّ النقطة الذي تبدأ منها هي أنَّ الرِّجال يكرهون النساءَ ويَعملون دائمًا على إيقاع الظلم بهنَّ، وكلامها هذا ممَّا ينشُر التباغُض بيْن الجنسين ويغرس النفورَ مِن الرجال في نفوسِ النِّساء، ونحن في غِنًى عن هذا كلِّه، فالمرأةُ هي أمُّ الرجل وبنتُه، وأختُه وزوجتُه، وعمَّتُه وخالتُه وجَدَّتُه ... وليستْ واحدةً من الأعداء، وإذا كان هناك تقصيرٌ مِن الرجال في حقهنَّ فليس شرطًا أن يكون تقصيرًا مقصودًا، فضلًا عن أنَّ هناك أيضًا تقصيرًا، وتقصيرًا كبيرًا أحيانًا، مِن النساء في حقِّ الرجال كما هو مشاهَدٌ في كل مكان.
وتوضِّح بارلس دعوتَها قائلة: إنَّ قراءة أي نص، وبخاصَّة النصوص الدينية كالقرآن مثلًا، لا تعتمد فقط على النصِّ، بل على السياق الذي تمَّت قراءتها فيه.
ومِن هنا نراها تفرِّق بيْن النصِّ القرآني في حدِّ ذاته وبيْن تفسير المسلمين له متأثِّرين ببيئاتهم وقِيَمهم ونظرتهم للحياة، فهي إذًا تدعو إلى التفرقة بيْن الإلهي والبشري حسبما تقول، كذلك نراها تؤكِّد أنَّ أي نص يقبل بطبيعته قِراءات متعدِّدة تبعًا لتعدُّد نوعية القارئين، والواقع أنَّ الإنسان يخضَع فعلا لمثل تلك المؤثِّرات، لكن ليس مِن اللازم خضوعُه لها إلى الحدِّ الضار المؤذِي الذي يؤدِّي إلى وقوعِ الظلم؛ إذ باستطاعة المفسِّر عن طريقِ يقظته ووعيه بتلك المؤثِّرات ألا يقَع فريسةً لتأثيرها المجحِف.
ولكن مِن ناحيةٍ أخرى نرجو أن تكون د. أسما، هي بدورها يقظةٌ وواعية بالمؤثِّرات التي يمكن أن تمارسَها البيئة الأمريكية عليها وهي تفسِّر القرآن، فنحن نعرِف أنَّ هناك صراخًا عاليًا، بل مُصِمًّا للآذان وجالبًا للصُّداع في الولايات المتحدة يُندِّد بالإسلام وبنظرتِه إلى المرأةِ، ويدعو إلى إعادةِ تفسيرِ آياته المتعلِّقة بالمرأة مِن جديد، والمقصودُ بهذا التفسير الجديد هو تبنِّي الرؤية الغربية، والأمريكيَّة بوجهٍ خاصٍّ، لقضيةِ المرأة، فالحذرَ الحذرَ حتى لا تسقط بارلس وغيرُها ممَّن نشطنَ في الآونة الأخيرة إلى تفسيرِ القرآن الكريم في هذا الفخِّ المنصوب.