فهرس الكتاب
زوَّجني ابنَ أخيه ليرفعَ بي خسيستَه، قال: فجَعل الأمرَ إليها، فقالت: قد أَجَزْتُ ما صَنَع أبي، ولكن أردتُ أنْ تعلمَ النساءُ أنْ ليس إلى الآباءِ مِن الأمر شيءٌ"، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( اسْتوصُوا بالنِّساء؛ فإنَّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَع، وإنْ أعوجَ شيءٍ في الضِّلع أعلاه، فإن ذهبتَ تُقِيمه كَسَرْتَه، وإنْ تركتَه لم يزلْ أعوج، فاستوصوا بالنِّساء ) )، وعن ابنِ عبَّاس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( خَيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي ) )، وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( اللهمَّ إني أُحرِّج حقَّ الضعيفين: اليتيم والمرأة ) )، وهو، كما يقول العلماء، مأخوذٌ مِن التحريج أو الإحراج؛ أي: أنَّه - عليه السلام - يُضيِّق على الناس في تَضييع حقِّهما، ويُشدِّد عليهم في ذلك، والمقصود إشهادُ المولى - عزَّ وجلَّ - في تبليغِ ذلك الحُكم إليهم."
وواضحٌ مِن زعْم بارلس مُراعاةَ القرآن للبيئة العربيَّة الجاهليَّة في أحكامه أنَّه إذا كان علماءُ القرآن يقولون بعمومِ اللفظ وخصوصِ السَّبَب فبارْلَس، كما هو جليٌّ، تقول بخصوص السَّبب واللفظ جميعًا، إنني أَفْهم أن يكونَ الإسلام قد راعَى الظروفَ المعاصِرة لنزوله مِن حيثُ الشكلُ أو الطريقة التي يتمُّ بها تطبيقُ مبادئه، ذلك الشكل الذي لم يكُن من الممكِن ولا يُمكن أن يكون شكلًا عالميًّا ثابتًا إلى الأبَد، أما الجوهرُ والروح، فكَلاَّ، بل ألف كلاَّ!
لقدْ كان الرسولُ مثلًا يأكُل بيده وعلى الأرض ودون أطباقٍ وفوط ... لكنَّه في كلِّ الأحوال كان حريصًا على نظافةِ الطعام ونظافةِ يدِه، وتسميةِ الله في البداية وحمْده سبحانه في النهاية، فتناول الطعام باليدِ ودون أطباق أو مائدة أمرٌ شكليٌّ، أمَّا تنظيفُ اليد قبل تناوله والبسملة والحمْد، فهذه هي الأمورُ الجوهريَّة، كذلك كان الرسولُ يَحرِص على استشارة مَن حوله، ولكنَّه لا يستطيع استشارةَ كلِّ أفراد الدولة؛ لأنَّ وسائلَ الاتصال، وكذلك وسائل التنظيم الإداري والسياسي في بلادِ العرب آنذاك، لم تكُن قد تطوَّرت إلى المدى الذي يَسمح بذلك. فالشكل التنظيمي هو الذي تغيَّر مع مرورِ الأيَّام، أمَّا الجوهر، وهو استطلاع آراء الآخَرين الذين يُمكنهم إفادةُ الأمَّة، فثابتٌ لا يتبدَّل.
وبالمثل كان القرآنُ الكريم يراعي ظروفَ المجتمع العربي آنذاك عن طريق التدرُّجِ في تشريعِ بعضِ الأحكام وتطبيقها، أمَّا القول بأنَّه قد راعَى تلك الأوضاعَ لدرجة التبنِّي لها فكلاَّ وألف كلاَّ!
ومثالًا على ما أقول أُشير إلى ما صَنَعَه في تحريمِ الخمْر؛ إذ المعروف أنَّه لم يَصْدُر الحُكم بتحريمِها والنهي عن شُربها نهيًا قاطعًا دفعةً واحدة، بل أخَذ بعضَ الوقت حتى انتهى الأمرُ إلى إصدار مِثل ذلك الحُكم القاطع، بدءًا بقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ