الصفحة 43 من 138

تفضيلِ الله - سبحانه وتعالى - للرِّجال؛ إذ كمَّلهم عقولًا وحُسْنَ مشورةٍ وأداءٍ لواجباتهم الدِّينيَّة، فَضلًا عمَّا قِيل مِن أنَّه - عزَّ وجلَّ - قد فَضَّلَ الرِّجالَ درجةً وجعلَهم قوَّامين على النِّساء، أو حُكَّامًا عليهنَّ في بعضِ التَّفسيرات، أمَّا المرأةُ فإنَّ ظروفها البيولوجيَّة لا تسمح لها بأنْ تكونَ لها أيَّةٌ وظيفةٍ أخرى غير إنجاب الأطفال، وهو ما يُمثِّل"مأساتها البيولوجيَّة"حسبما يقول المودوديُّ، كما أنَّ ظروفها البيولوجيَّة والعقليَّة لا تُسوِّغ فقطْ اختلافَها عنِ الرَّجل، بل خُضوعَها كذلك له: زوجًا كان أو أبًا أو أخًا، ثم إنَّ فلاسفةَ أوربا ومفكِّريها أنفسهم يقولون بتخلُّفِها عن الرَّجل في قُدراتها وإنجازاتها الجسميَّة والذهنيَّة جميعًا، بالغًا ما بلَغ الجهدُ الذي تبذله.

بل إنَّ بعضَ المفكِّرين المسلمين ليذهبون إلى القول بأنَّ تكوينَ جسم المرأة هو قَدَرٌ مقدورٌ عليها لا فَكَاكَ لها منه، وأنَّها مِن ثَمَّ عبءٌ على الحضارةِ فائضةٌ عنها، بمعنى أنَّها ليستْ لها وظيفة بها، وهذا التفسير، حسبما تؤكِّد بارْلَس، ليس نابعًا مِن تعاليمِ القرآن ذاتِها، بل مِن آراء المفسِّرين المستمَدَّة مِن أوضاعِ بيئتِهم وعصرِهم.

ولا شكَّ أنَّ اللهَ سبحانه قد خَلَق الرَّجلَ والمرأة مُتقابلَيْن لا مُتناقضَيْن، فالواقع أنَّ كِليهما يُكمِّل الآخَرَ ولا يُناقضه، صحيح أنَّ هناك نقاطَ اختلافٍ، لكن هناك أيضًا نِقاط اتفاقٍ، وهذه الأخيرة أكثرُ مِن الأولى وأقوى رغمَ ما قدْ يبدو للبعضِ مِن أنَّ الحقيقةَ هي على عكْس ذلك.

أليسَا كِلاهما إنسانًا؟ أليسَ لهما كثيرٌ مِن الأعضاءِ المشترَكة، مع انفرادِ المرأةِ بأنَّ لها رَحمًا وصدرًا، ناهدًا وردفًا بارزًا، وبشرةً ملساءَ، وصوتًا ناعمًا، وشعرًا غزيرًا وطويلًا، وانفراد الرَّجُل بأنَّ له جهازًا تناسليًّا مختلفًا وشعرًا على خَديه وصوتًا خشنًا؟ وصحيح أنَّ المرأةَ أكثرُ عاطفيةً وأسرع انفعالًا، والرَّجُل بوجهٍ عام أمْلَك لمشاعرِه وعواطفِه، إلا أنَّ لكلٍّ منهما رغمَ ذلك انفعالاتٌ وعواطف وعقلًا وتفكيرًا، ثم إنَّ الحياةَ لا تَستطيع أن تَمضِي وتستمر دون تكامُلهما بتكوينِ الأُسرةِ كما هو معلوم، ولو كانَا مُتناقضين ما قدرَا على شيءٍ مِن ذلك التكامل.

ثم هل حقًّا هناك نصٌّ يقول: إنَّ الله قد خلَق المرأةَ مِن أجْل مُتعة الرَّجل فقط؟ صحيح أنَّ مُتعةَ الرجل لا تتمُّ إلاَّ بالمرأة، لكن مُتعة المرأةِ لا تتمُّ هي أيضًا إلا بالرَّجل، وهذا هو التكامُلُ المذكور، بَيدَ أنَّ هناك أشياءَ أخرى في عَلاقةِ الرَّجل بالمرأةِ غير المُتْعة الجسديَّة على أهميَّة هذه المُتْعةِ الجسديَّة، وما تَبعثُه في النَّفْسِ والكيانِ كلِّه مِن مسرَّة وسعادة، وراحة واستقرار، مِن ذلك العِشرةُ والتفاهُم والتآنُس والتعاون على التخلُّص مِن مشقَّاتِ الحياةِ والفوز بمسرَّاتها وبهجاتِها، فالحياةُ ليستْ جِنسًا وشهوةً جسديَّة فقط كما يتصوَّر فرويد وتابِعوه ومردِّدو أفكارِه، بل هي أعقدُ مِن ذلك كثيرًا جدًّا على أهميةِ الجِنس كما هو مَعروفٌ، لكنْ هل خُلِقَتِ المرأةُ فعلًا بعدَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت