الصفحة 63 من 138

إنَّه يجب أن تتبع المرأة ما تأمرُها به الشريعةُ في هذا المضمار؛ ذلك أنَّ الحجاب ليس شريعةَ الرجال، بل شريعة الله، لكنَّها قد أهبطتْه مِن هذا الأفق السامي إلى الأرض وجعلتْه تشريعًا بشريًّا لا إلهيًّا؛ كي يتسنى لها أن تُبدي اعتراضها عليه، صحيح أنَّها أنكرتْ أيضًا على الرجل أن يَمنع المرأة من التحجُّب، لكن المهم أنَّها أشاعتِ الاضطراب في الأمر كلِّه بحيث تسنطيع أن تسرِّب فيه على نحو هادِئ ماكِر إنكارَها على الرِّجال دعوةَ نسائهم إلى التحجُّب، مستعينة في ذلك بالغرْب - كما ألمحت، فهذا هو كل ما يهمُّها في الأمر، أمَّا الباقي فليس سوى ذَرٍّ للرَّماد في العيون! ولكن ليس في الأمر أيةُ غَرابةٍ إذا ما استحضرْنا ما قالته أمينة ودود حين عبَّرتْ عن تمسكها في إيجادِ سياقات من داخل الإسلام، وليس مِن خارجه؛ لتتناسبَ مع رُوح الحداثة في عالَم اليوم، وهو ما يُذكِّرنا بما قاله أحدُ المبشِّرين من أنه ينبغي استخدامُ غُصنٍ مِن شجرة الإسلام في صُنع فأس يقطعون به تلك الشجرةَ ذاتها.

ترَى هلْ جاء الإسلام ليسيرَ خلف الحداثة الأمريكيَّة بكلِّ ما فيها من إلحاد وخمر، وخنزير وعهر، وشذوذ وغطرسة، وعدوان على الأمم المستضعفة ونهْب لثرواتها، وتدمير لبيوتها ومدنها وقراها، وتفتيت لدولها، وتقتيل لرجالها ونسائها وأطفالها وحيوانها، وتعضيد لمستبدِّي حُكَّامها؟! أم هلْ جاءَ الإسلام ليقودَ هو ركْبَ الحضارة؟

وأنا حين أقول هذا لا أستطيعُ أنْ أخالف ضميري فأُنكر على الحضارةِ الغربية ما فيها مِن وجوهِ النَّفْع والفائدة، وهي كثيرةٌ متعدِّدة، إلا أنَّ جوانبَ الضر فيها كبيرةٌ أيضًا، وكبيرة جدًّا، فضلًا عن أنَّ النفع الحقيقي والجوهري لتلك الحضارة غير مسموحٍ بتصديرِه إلى الأمم الأخرى! أمَّا الإسلام فيخلو مِن شرور تلك الحضارة، التي هي - كما قلنا - كبيرة وكثيرة.

وهنا أرْجو ألاَّ نخلط بيْن الإسلام والمسلمين: فالإسلامُ هو دِين الله، الذي يَنبغي أن يقودَ ولا يُقاد، أمَّا المسلمون فهُم في هذا الطَّوْر الحالي مِن تاريخهم قد بلغوا الحضيضَ، بل وغاصوا فيما تحتَ الحضيض! وهم لا يَقودون ولا يُصلحون بوضعِهم الحاضر للقيادة، وإلاَّ فسَد كلُّ شيء في أيديهم وانهار البناءُ الحضاري، لكن الإسلام شيءٌ آخرُ تمامًا.

كذلك أُحبُّ أنْ أُهدي الأستاذة التركية التي تناولتْ موضوع الحجاب، ومعها القراء الفضلاء، المقالَ التالي الذي بثَّتْه شبكة"فلسطين الـ 48"على المشباك (الإنترنت) ؛ ليَرَوا كيف تتصرَّف كلية ألمانية مُنْشَأَة في بلاد العرَب والمسلمين مع مُدرِّسة من مدرِّساتها ارتدتِ الحجاب فهاجتْ إدارةُ الكليَّة وأبعدتْها عن التدريس؛ تمهيدًا لفصلها، ولنلاحظ أنَّها كلية"ألمانية"كالمؤسَّسة"إياها"التي جمعتِ الأستاذة التركية وأمينة ودود وأشباههما في مؤتمر لمناقشةِ بعضِ الشؤون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت