الصفحة 71 من 138

لقد لاحظتُ مثلًا أنَّ أسما بارلس لا ترجِع عادةً إلى الكتُب العربيَّة وهي تتحدَّث عنِ القرآن وتفسيره، بل إلى ما كُتِب عن هذه الكتُب بالإنجليزية، أو ما أُخِذ منها مُترجَمًا إلى الإنجليزية، وهذا لا يكفي أبدًا؛ إذ مَن أدراها أنَّ فهم الكاتب الوسيط، وبالذات إذا كان مستشرقًا أو مبشِّرًا، قد أصابَ الحقيقة أو أنَّه قدْ صدَق في النقل والاستشهاد؟ ثم كيف يصحُّ أن يدورَ في ذِهن أمثالها، وهي بذلك المستوَى، أن تفسِّر القرآن، أو أن تَضَع على الأقل المعاييرَ التي يَنبغي تفسيره على أساسها؟ أما لالة بختيار، التي تصدَّتْ أو بالأحرى: طُلِبَ إليها أن تتصدَّى لتفسير القرآن، فقدِ اعترض عليها بعضُ مَن حاوروها بأنَّها لا تُحسِن اللُّغةَ العربية، فكان جوابها أنها تُتقن العربيةَ القديمة! وأنَّها مِن ثَم تستطيع أن تفسِّر القرآن، فتعالوا إلى ما قالتْه عن منهجها في التفسير لنرَى هل هي تقول الحقّ أو لا.

لقدْ ذكرَتْ أنَّ منهجها في ترجمة القرآن الكريم يتلخَّص في الاستعانة بمعجم"مَدّ القاموس"للمستشرق البريطاني إدوارد وليم لين لترجمة الآياتِ مِن خلال البحث عن معناها في ذلك المعجَم كلمة بعدَ كلمة؛ بغيةَ تقريب النصِّ القُرآني إلى القارِئ الإنجليزي المعاصِر؛ فهل هذا يَكفي أوَّلًا؟ وهل هذا هو السبيلُ لدَرْك تلك الغاية ثانيًا؟ وللجواب عن السؤال الأول أقول بملءِ فمي: إنَّ ما ذكرتِ السيدةُ بختيار أنَّه هو المنهج الذي اعتمدتْه في ترجمتها للقرآن المجيد لا يَكفي بتاتًا؛ ذلك أنَّ الترجمة ليستْ نقْلَ ألفاظ سائبة مِن لُغة إلى لُغة، بلِ الترجمة نقلُ النصِّ كلِّه متماسكًا. والنصُّ ليس كلماتٍ مفردةً فقط، بل هو أيضًا عباراتٌ وتراكيبُ، وصورٌ وظلال، وشِياتٌ وإيقاعاتٌ، وتناغماتٌ وفِقرات، إنَّه كلٌّ متكامِلٌ شديد التعقيد؛ فكيف بالله يَكفي أن تضَع أمامها معجم لين، مهما كانتْ عبقرية مؤلِّفه، وتنظُر فيه معاني الكلمات القرآنيَّة كلمةً كلمةً على انفراد، ثم تقول: إنَّها قد قامتْ بترجمة النصِّ القرآني؟

ولعلَّ القارئ لا يَزال يذكُر ما كتبته أسما بارلس (زميلة بختيار في الاتجاه النِّسوي المعادِي للرِّجال) حين انتقدتْ طريقةَ التفسير القديمة التي تقوم، كما قالت، على تناوُل الآيات آيَةً آيةً دون محاولةِ ربْط النصوص القرآنيَّة ذات الموضوع الواحِد معًا.

أفلا يرى أنَّ ما اتهمت به بارلس أولئك المفسِّرين الفطاحِل ظلمًا وعدوانًا إنَّما يوجد في الحقيقة لدَى بختيار دونهم، وعلى أسوأ صورة؟ ثم إنَّ لين ذو أسلوبٍ قديم، ولا يُمثِّل ما يكتبه إغراءً للقارئ المعاصِر؛ لكي يمضي في القراءة، وفوق هذا فما مِن مُعجَم إلا وهو يَعِجُّ بالعيوب ونواحِي النقص التي لا بدَّ مِن الاستعانة عليها بأكبر قدْر مِن المعاجم الأخرى، وأنا مثلًا، رغم أنِّي لا أتصدَّى لمهمَّةٍ مِثل تلك التي تصدَّتْ لها بختيار أو أريدَ منها أن تتصدَّى لها لغرَض في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت