الصفحة 72 من 138

نفْس يعقوب؛ لأُكدِّس عندي مِئات المعاجم الورقيَّة والضوئية لهذا السَّبب؛ إذ كثيرًا ما لا أجِد طلبتي في أحد القواميس فأبحثُ عنه في قاموس آخَر أو أكثر حتى أجِد شفاءَ نفسي؛ فكيف تظنُّ بختيار أنَّ معجمًا واحدًا يكفي لمهمَّتها تلك الثقيلة؟! على أنَّ هذا لا يَزال غيرَ كافٍ؛ إذ يجب على المفسِّر أنْ يرجِع إلى كتُب اللُّغة مِن نحوٍ وصرْف، وإلى الأشعار الجاهليَّة والإسلاميَّة، وإلى كتُب الحديث والتَّفسير والبلاغة، وإلى كتُب أسباب النُّزول ... ولا ينبغي أنْ ننسَى الاستعانة بالتراجِم القرآنيَّة السابقة حتى نعرِفَ ماذا قال الآخرون في هذه الآية أو تلك، وإلاَّ أفتظنُّ بختيار أنَّها بنتُ بَجْدَتها، أو أنَّها أوَّلُ مَن ترْجَم القرآن الكريم إلى غيرِ العربية؟!

ولنأخذ واحدًا مما ضَرَبَتْه مِن أمثلة على طريقتِها في الترجمة، وهو كلمة"اضربوهنَّ"في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34] ، التي تقول تعليقًا عليها إنَّها لا تتصوَّر أنَّ الله، الذي تحبُّه كما تقول، يمكن أن يُوافِق على ضرْب الزوجات، وإنَّها لهذا أخذتْ تبحث وتتقصَّى معاني تلك الكلمة حتى استطاعت، مِن خلال معجم لين، أن تضَع يدها أخيرًا على المعنى الصحيح الذي فاتَ جميعَ المفسِّرين واللُّغويين على مدار الأربعة عشر قرنًا الماضية، وهو"الذَّهاب بعيدًا"، بمعنى أنَّه إذا لم يُفلِحِ الوعظ ولا الهجر في المضجع مع الزوجة الناشِز، فليذهبِ الزوج بعيدًا عنها، وإن لم تُحدِّد بختيار - للأسف - مدَى ذلك البُعد، وهو ما مِن شأنه أن يُربكَنا - نحن الأزواج المؤذين الذين نُريد أن نضرب زوجاتنا: أهو يا ترَى ترْك الزوجِ للمنزلِ والبَحْث عن فُندق يُقيم فيه، أم البيات على الرصيف المجاور، أم الذهاب إلى ألاسكا والعيش هناك معَ الإسكيمو؛ حتى يضمنَ أنه سيكون بمنجاةٍ مِن النكد الذي تُسوِّد به زوجتُه عليه حياتَه، والذي لا يستطيع أن يعمل لزوجتِه شيئًا حياله غير أنْ يأكُل بعضه بعضًا قهرًا وغمًّا وغيظًا؟

إنَّنا نقول: ضرَب فلان فلانًا، ونقصد أنه انهال عليه بالكفِّ أو بالعصا مثلًا، ونقول: ضرب فلان النقود؛ أي: سَكَّها، ونقول: ضرب أخماسًا لأسداس، والمعنى: تحيَّر واضطرب، ونقول: ضرَب فلان لفلان موعدًا، يعنى: حدَّد وقتًا للقائه، ونقول: ضرَب الله على أُذنيه، فيكون المقصود أنَّه أنامَه نومًا عميقًا فلم يحسَّ بشيء، ونقول: ضرَب له طريقًا، بمعنى شقَّه له، ونقول: ضُرِب فلان على الكَرَم، ومعناه أنَّ الكرم طبيعةٌ فيه وليس شيئًا مكتسبًا، وضُرِبَتْ على فلان الذلَّة، والمعنى: أحاطتِ الذلة به مِن كلِّ جانب فلا يَقدِر على التخلُّص منها، ونقول: ضُرِبَتْ عليه الجِزية، أي فُرِضَتْ، ونقول: ضرَب الفحلُ الناقةَ: لقَّحها، ونقول: ضرَب فلانٌ الخيمة، بمعنى: نصبَها، ونقول: ضرَب فلانٌ عن فلان صَفْحًا، والمعنى: انصرَف عنه أو أهْمَله، ونقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت