الصفحة 73 من 138

ضرَب فلانٌ لفلان سهمًا في ثَروته، أي: خصَّص له نصيبًا منها، ونقول: ضرَب فلان في سبيل الله: جاهَد، ونقول: ضرَب الدهرُ بيْن فلان وفلان: فرَّقهما، وكذلك نقول: ضَرَب فلانٌ في الأرْض، والمقصود: ارْتَحل وذهَب بعيدًا ... إلخ، وهذا هو المعنى الذي أخذتْ به بختيار مِن بين كلِّ تلك المعاني وغيرها لترجمةِ قوله تعالى: {وَاضْرِبُوهُنَّ} ، فهل هذه ترجمة صحيحة؟ هل قولنا:"اضربْ فلانًا يا فلان"معناه: اترُكْه واذهبْ بعيدًا عنه؟! الحقُّ أنَّ هذا هو الهزلُ، بل الدَّجَل بعينه؛ إذ إنَّ ذلك المعنى لا يأتي مِن كلمة"ضرب"وحدَها، بل مِن عبارة"ضرب في الأرض"كلها، أما"ضرب فلانٌ فلانًا"فلا يمكن أن يكون له معنى غير أنَّه قرَعه بيده أو بعصًا مثلًا.

وقدْ ترجم لين في معجمِه المذكور هذا الفعل مجرَّدًا بـ"strike، beat، smite، hit"، وهو نفس ما قُلْناه، ولو كانتِ اللغات تُؤخَذ بتلك الطريقة التي تمشِي عليها السيدةُ بختيار فقُلْ على الترجمة السَّلام.

ثم كيف يدلُّ قوله: {اضْرِبُوهُنَّ} على الذَّهاب بعيدًا؟ إنَّ لدينا في الآية الكريمة فعلًا متعديًا ومفعولًا هو الضمير"هُنَّ"العائد على الزَّوجات. ومعنى هذا أنَّ الضرب يقَع على الزوجاتِ؛ فكيف يكون المعنى: اذْهبوا بعيدًا؟! لو كان قد قيل مثلًا:"اضربوا عنهنَّ"لأمكَن التمحُّل والقول بأنَّ أصل الكلام:"اضربوا في الأرضِ بعيدًا عنهنَّ"بعدما حُذِف منه شِبه جملة"فى الأرض"، أو أنَّه"اضربوا عنهنَّ صفحًا"بمعنى: لا تُبالوا بما يفعلْنَه واصفحوا عنهنَّ، أمّا وهناك مفعولٌ به مباشِر، فالمعنى: اضربوهنَّ الضربَ المعروفَ وآلموهنَّ عِقابًا لهنَّ على نُشوزهنَّ وعدَم رجوعهنَّ عن أسلوب العِناد والتنكيد دون داعٍ، بعدما نصحتُم وهجرتُم في المضجع وصَبَرتُم وصابرتم، ولم يبقَ أمامكم إلا أن (تطقُّوا) من أجنابكم أو تُشعلوا النارَ في أنفسكم، أما لالة بختيار أو مَن كتَب لها الترجمة فيَخلِط بين (عَيُّوشة) و (أم الخير) ، وهو ما لا يصحُّ ولا يَصلُح، وإلا فَلْتُرِنا هي أو هو أو هم شاهدًا مِن لُغة العرب على أن"ضرَب فلانٌ فلانًا"معناها:"ذهَب بعيدًا".

كذلك فسببُ نزولِ الآية يدلُّ على أنَّ المعنى الذي رفضتْه لالة بختيار هو المعنى الصحيح، جاءَ في"أسباب النزول"للواحدي:"وقدْ رُوي عن مقاتلٍ في سببِ نزول الآية في سعدِ بنِ الرَّبيع بنِ عمرو، وكان مِن النُّقباء، وفي امرأتِه حبيبةَ بنتِ زيد بن أبي زُهير؛ وذلك أنَّها نشَزتْ عليه فلطَمها، فانطلَق أبوها معها إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: أفْرَشْتُه كريمتي فلطَمَها، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت