الصفحة 75 من 138

كذلك مِن الأدلَّة على صحَّة هذا المعنى، بل على أنَّه هو وحْدَه التفسيرُ الصحيحُ ما ورَد عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموضوعِ؛ إذ نصحَ المسلمين بقوله: (( ألاَ عسَى أحدُكم أن يضربَ امرأتَه ضَرْبَ الأَمَة؟ ألاَ خَيْرُكم خَيْرُكم لأهلِه ) (( أمَا يَستحِي أحدُكم أنْ يَضرِبَ امرأتَه كما يَضرِب العبْدَ: يَضرِبها أوَّلَ النهار، ثم يُجامِعها آخِرَه؟ ) )، وليس هناك تناقضٌ بيْن القرآن والحديث: فالقُرآن إنما جوَّز الضَّرْب ولم يوجبه، وفرْقٌ بيْن تجويز الشيءِ وجعْله واجبًا مفروضًا: هذا أوَّلًا.

وثانيًا أنَّ القرآن حين شرَع الضربَ إنَّما شرَعه بعدَ استنفاد كلِّ الأساليب الأخرى مِن وعْظ ومخاصمة، وما إلى ذلك؛ فماذا يفعل الرجل بعدَ هذا كله؟ أمَّا إذا كانتِ المرأةُ لا تُريد أن تُعامَلَ بهذه الطريقة فهذا حقُّها، ولكن عليها ألاَّ تَنشُزَ على زوجها أو أن تَخلَع نفْسَها منه، ومن ناحيته هو فإمَّا أن يَقبل التعايُش معها على نُشوزِها وعدَم رُجوعِها عن العِصيان الذي لا مسوِّغ له، وإمَّا أن يُطلِّقها، وإذا آثَرَتْ هي الخُلْعَ أو الطلاق على أنْ يُؤدِّبها زوجُها في حالةِ نشوزِها، فهي وما اختارتْ، أما الحديث فيوضِّح للمسلمين أنَّ تَجويزَ الضَّرْب ليس معناه أنَّه هو الحلُّ الأمْثَل، بل عليهم أن يَعرِفوا أنَّه لا يُلْجَأ إليه إلاَّ عندَ الضرورةِ القُصوَى وأنَّه كالطلاق: بغيضٌ رغمَ مشروعيته.

وفى تفسير"المنار"يقول الشيخُ رشيد رضا رغمَ كراهيته للضربِ مِن ناحيةِ المبدأ:"يَستكبِرُ بعضُ مُقلَّدةِ الإفرنج في آدابِهم منَّا مشروعيةَ ضرْبِ المرأة الناشِز، ولا يَستكبرون أن تَنشُزَ وتترفَّع عليه، فتَجعله وهو رئيس البيتِ مرْؤوسًا بل مُحتقَرًا، وتصرُّ على نُشوزِها حتى لا تَلين لوعظِه ونُصحِه، ولا تُبالي بإعراضِه وهجرِه، ولا أدْري بِمَ يُعالِجون هؤلاء النواشِز؟ وبِمَ يُشيرون على أزواجهنَّ أن يعاملوهنَّ به؟ لعلَّهم يتخيَّلون امرأةً ضعيفةً نحيفةً، مُهذَّبة أديبة يَبغي عليها رجلٌ فظٌّ غليظ، فيُطعم سوطَه مِن لحمِها الغريض، ويَسقِيه مِن دَمِها العَبيط، ويزعُم أنَّ الله تعالى أباحَ له مِثلَ هذا الضَّرْبِ مِن الضَّرْب، وإنْ تجرَّم وتَجنَّى عليها ولا ذنب! كما يقع كثيرًا مِن غِلاظ الأكباد متحجِّري الطِّباع، وحاشَ لله أن يأذنَ بمِثل هذا الظُّلم أو يرضَى به، إنَّ مِن الرِّجال الجعظريَّ الجوَّاظَ الذي يَظلم المرأة بمحضِ العدوان، وقد ورَد في وصيةِ أمثالهم بالنِّساء كثيرٌ مِن الأحاديث، ويأتي في حَقِّهم ما جاءتْ به الآية مِن التحكيم، وإنَّ مِن النساءِ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت