فهرس الكتاب
الفواركَ المناشيصَ المفسِّلات اللواتي يمْقُتنَ أزواجهنَّ، ويَكْفُرن أيديهم عليهنَّ، وينشُزنَ عليهم صلفًا وعنادًا، ويُكلفْنَهم ما لا طاقةَ لهم به، فأيُّ فساد يقَع في الأرض إذا أُبيح للرَّجُلِ التَّقي الفاضِل أن يُخفِّض مِن صلَف إحداهنَّ ويُدهورها مِن نشْزِ غُرورِها بسواكٍ يَضرِب به يدَها أو كفٍّ يَهوي بها على رَقبتِها؟! وإن كثيرًا مِن أئمَّتهم الإفرنج يَضرِبون نساءَهم العالِماتِ المهذَّباتِ، والكاسياتِ العارياتِ، المائلاتِ المميلات، فعَل هذا حُكماؤهم وعلماؤهم، وملوكُهم وأمراؤُهم، فهو ضرورةٌ لا يَستغني عنها الغالون في تكريمِ أولئك النساء المتعلِّمات، فكيف تُستنكَر إباحتَه للضرورةِ في دِينٍ عامٍّ للبدو والحضَر مِن جميعِ أصناف البشر؟!
الأستاذ الإمام: إنَّ مشروعيةَ ضرْب النِّساء ليستْ بالأمر المُستنكَر في العقْل أو الفِطرة فيحتاج إلى التأويل، فهو أمرٌ يُحتاج إليه في حالِ فسادِ البيئة وغلبةِ الأخلاق الفاسِدة، وإنَّما يُباح إذا رَأَى الرجلُ أنَّ رجوع المرأةِ عن نُشوزِها يتوقَّف عليه، وإذا صلحتِ البيئة، وصارَ النساءُ يعقلنَ النصيحةَ ويستجبنَ للوعظِ أو يزدجرْنَ بالهجر، فيَجب الاستغناءُ عن الضَّرْب، فلكلِّ حالٍ حُكم يُناسبها في الشَّرْع، ونحن مأمورونَ على كلِّ حال بالرِّفقِ بالنِّساء واجتنابِ ظُلمهنَّ، وإمساكهنَّ بالمعروف أو تسريحهنَّ بإحسان، والأحاديثُ في الوصيةِ بالنِّساءِ كثيرةٌ جدًّا"."
وإذا كان لي في هذا السِّياقِ مِن شيءٍ أُضيفه فهو رغبتي في تأكيدِ ما قاله الشيخُ رشيد رضا مِن أنَّ الغربيِّين: كبارَهم وعامَّتهم يَضرِبون نساءَهم، لكن المصيبة أنَّه حين يقَع هذا مِن مُسلِم نراهم يُقيمون الدنيا ويقعدونها ويأتون إلى هذه الآية ويقولون فيها البِدَع! وهو نِفاقٌ لئيمٌ أثيمٌ.
إنَّ الضربَ موجودٌ في كلِّ الأمم، ولدَى أتباع كلِّ الأديان، لكنَّه في الإسلام لم يُشْرَع إلا للمرأةِ التي أوْصلتْ زوْجها إلى حالةٍ لا تُطاق بحيث لم يَعُد هناك إلا التَّفكير في الطلاق، والضَّرْب على كلِّ حال يكون للتأديبِ لا للإهانةِ والتحقير، وهو إنْ كان لا بدَّ منه فليكُنْ ضربًا غيرَ مبرِّح.
وقدْ جاءَ في تفسير الطبري لتلك الآية:"يَعني بذلك - جلَّ ثناؤه: فعِظُوهنَّ أيها الرِّجالُ في نُشوزهنَّ، فإنْ أَبَيْنَ الإيابَ إلى ما يلزمهنَّ لكم فشُدُّوهنَّ وثاقًا في منازلهنَّ، واضربوهنَّ ليَؤُبْنَ إلى الواجِب عليهنَّ من طاعةِ الله في اللازم لهنَّ مِن حُقوقِكم، وقال أهلُ التأويل: صِفة الضرْب التي أباح الله لزوجِ الناشز أن يَضرِبها الضرب غير المبرّح؛ حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثَني معاوية، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس: {وَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ} ، قال: تهجرها في المضجع، فإن أقبلت، وإلاَّ فقدْ أذِن الله لك أن تَضرِبها ضربًا غير مبرِّح ولا تَكسِر لها عظمًا، فإنْ أقبلت، وإلا فقدْ حلَّ لك منها الفِدية". فلتخترِ المرأة ما تحبُّ، وهي حرَّة في اختيارها، وأيًّا ما