فهرس الكتاب
"مصلحتها"، وهو سلوكٌ مقبول، وبيْن الممارسة السيِّئة للعُنف في البيت، وهو مرفوضٌ عندهم، أما التقليديُّون الإصلاحيُّون فإنَّهم لا يوافقون عادةً على هذه الممارسة، لكنَّهم يبحثون عن مبرراتٍ وتفسيراتٍ بديلة.
وهذا هو النصُّ القرآني: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34] ، وهذه الآية القرآنية تحتوي على غُموضٍ في موضعين: في اللَّفْظ المتعلِّق بتحديدِ نوْع المسألةِ التي تُسوِّغ مِثل هذا الفعل، وفي اللفظ الآخَر الذي يَتعلَّق بوصفِ هذا الفعل.
ويُريد البعضُ رفْعَ الحرَج عن حالةِ الغُموض الأولى مدعيًا أنَّ هذه الآيةَ لا تَنطبِق إلا على حالاتِ الإساءةِ الشديدة، ورغمَ بقاءِ هاتين النُّقطتَين غير محدَّدتين في النصِّ القرآني فإنَّ أصحاب محمد - بلا ريبٍ - كانوا يَفهمون ما تَعنيه الآية، وهم يقولون: إنَّ اللفظَ العربيَّ المستخدَم في وصفِ حالةِ الإساءة من طرَف المرأة أقرب إلى"النشوز"منه إلى"العصيان"، وإنها يمكن أن تكونَ إشارةً إلى الردَّة أو النشاط السياسي الهدَّام من جانبِ الزوجة.
ويُركِّز بعض الكتَّاب على اللَّفْظ الثاني الغامِض، ويستطيع العلماءُ التقليديُّون أن يكتبوا الكثيرَ مِن الصفحات لمناقشةِ المعنى الصحيح للَّفْظ ويَستنتجوا أنَّ النصَّ القرآني لم يقصد"الضرب"، ولا حتى"الصفع"، بل يَنبغي فَهمُه على أنَّ معناه:"الضرب برِفق" (رؤوف/ 2002) ، ويرى القرضاويُّ أنَّ الزوجاتِ يجوز ضربهنَّ، لكن ليسَ على الوجه، وقد نشرت مجلَّة"Islamic Horizons: إسلاميك هورايزونز"الإسلامية الأمريكيَّة في عددها الخاص بقضيةِ العنف الأسري رأيًا صارمًا بخصوصِ التطبيقِ الأمثل لهذه الآية؛ إذ ترى أنَّ مِن حق الأزواج إعطاءَ زوجاتهنَّ الناشزات بِضعَ"ضربات خفيفة"بـ"السواك"، ويُنهي الكاتبُ كلامَه قائلًا: إنَّ هذا تصرُّف"معقول محترَم ولا غُبارَ عليه؛ إذ إنَّ صِيانةَ كرامة كلٍّ مِن الزوجين أمرٌ مطلوب" (أبو سليمان/ 2003/ ص 22) ، ولن نجِد شاهدًا أفضل على عجزِ التقليديِّين المسلمين، بما فيهم الجناح الإصلاحي في مواجهةِ التحديات العصريَّة، مِن النصِّ السابق الذي يَقترح بكلِّ جِدِّيةٍ فَضَّ الرجل خلافَه مع زوجته بضربِها بالسواك كمثالٍ على العلاقة المحترمة بينهما.
وبالنسبة للحداثيِّين لا تُعدُّ هذه القضية معضلةً، فكما هو الحالُ في العهد القديم فإنَّ بالقرآن أشياءَ لا تناسب مجتمعاتنا اليوم، ولا توجد حاجةٌ إلى الدخول في صِراع معها، وفوق ذلك فإنَّهم يَشكُّون في صحةِ هذه السورة كلها؛ إذ تتعارض مع المأثورِ عن مواقف النبيِّ وسلوكه وآيات القرآن الأُخرى ومجموعةِ الأحاديث التي تدور حولَ العلاقات الزوجيَّة والسلوك اللائِق