الصفحة 97 من 138

بينهنَّ وبين أزواجهنَّ سارعْنَ إلى طلبِ الطلاق واستخدمْنَ في هذا الطلب عباراتٍ تستفزُّ الجبال، ولولا استعصامُ الرِّجال بالصبر في مِثل ذلك الموقِفِ لتحطَّمتِ البيوتُ وتشرَّدت الأُسَر، ثم هلِ النِّساء هنَّ اللاتي يوفِّرنَ الطعام لمن حولهنَّ؟ نعَم، إنهنَّ يطبخنَ ويُعْدِدْنَ المائدة، لكن الرجل عادةً هو الذي يَسعَى على المعاش ويُحضِر المال ويشتري الطعام لأفراد الأُسرة؛ كي تعدَّه المرأة لهم.

وأخيرًا فقدْ ينبغي أن نَعلم أنَّ بارلس إنما تقلِب بكلامها هذا الأوضاعَ رأسًا على عقب؛ إذ تجعل البشَرَ هم الأساس، واللهُ سبحانه يَجري في رِكابهم؛ أليستْ تجعل الحبَّ والصبر والإطعام صِفاتٍ بشريةً في الأساس، فإذا تحقَّقتْ في الله - عزَّ وجلَّ - كان ذلك دليلًا على تحقُّقه بالصِّفات البشريَّة ذُكوريَّةً كانتْ أو نِسوية؟ إنها بهذا تغفُل غفلةً شديدةً وشنيعةً عن أنَّ الله هو منبعُ كلِّ وجود وموجود، وأنَّنا - نحن البشر، ومعنا سائر المخلوقات - إنما نستمدُّ منه وجودَنا وصفاتِنا لا العكس، كما أنَّ صفاتِه - سبحانه وتعالى - هي صفاتٌ مطلَقة لا نسبيَّة، فالكرَم مثلًا عندَه لا أوَّل له ولا آخِر، بخِلاف الكرَم البشري، فهو كرَم محدودٌ له بداية، وله نهاية؛ فكيف نقلب المسألةَ ونجعل الصفاتِ الإلهيَّةَ مأخوذةً عن البشَر؟! أي: إنَّ كل ما قالتْه السيدةُ أسماء بارلس هو كلامٌ لا يَصمُد للتحليل والمنطق، ومِن هذا يتبيَّن سذاجةُ الأفكار التي تسوقها تلك السيدةُ ومدَى ما فيها مِن تهافُت.

وبالمناسبة تؤكِّد نوال السعداوي، في كتابها:"الأنثى هي الأصل" (ضمن مجلَّد"دراسات عن المرأة والرجل في المجتمع العربي"/ 154 - 155) ، أنَّ المجتمع الأمومي استمرَّ آلاف السِّنين، وإنْ كنَّا لا نَدري كم ألفًا منها؛ لأنَّ علم التاريخ لم يكُن قد ظهَر بعدُ - كما تقول، وأنَّ المجتمع كان أموميًّا، وأنَّ الناس كانوا يضعون المرأةَ في مكانةٍ أعلى مِن مكانة الرجل، وأنَّ الإلهَ كان أنثى، ونحن نتساءَل: إذا كان عِلمُ التاريخ لم يكُن قد ظهَر بعدُ، إذًا فكيف عرفتْ نوال السعداوي أو غيرها أنَّ المجتمع كان أموميًّا، وأنَّ الناسَ كانوا يَضعُون المرأةَ في مكانةٍ أعلى مِن مكانةِ الرَّجل، وأنَّ الإلهَ كان أنثى؟ هل شمَّت على ظهْرِ يدها؟ وقد يظنُّ بعضُ الناس أنَّ تلك التقليعةَ الفكريةَ هي مِن بنات عقلِها، إلاَّ أنَّ الواقع يقول: إنَّها وأمثالها لا يُمكنهم إبداعُ شيءٍ يختلف عمَّا لدَى الغرْب؛ إذ هناك مفكِّرون غربيُّون يدَّعون هذه الدَّعوى ردًّا على ما يَظنُّونه مِن أنَّ استخدامَ ضمائرِ المذكَّر في الكتُب المقدَّسة وعلى ألسنةِ المؤمنين عِندَ الحديثِ عنه سبحانَه معناه أنَّه ذَكَر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت