فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 278

مرضا شديدا فنزلوا المدينة وأظهروا الإسلام فبعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة يشربون ألبانها وأبوالها [[1] ]فلما صحُّوا قتلوا الرعاة وساقوا الإبل وارتدوا، ومنها أنها نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي وكان قد عاهد الرسول صلى الله عليه وسلم فمر قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم، ومنها أن الوعيد في الآية مختص بالكفار، ومنها أنه في فساق المسلمين، ومنها ما ذهب إليه أكثر فقهاء الأحكام السلطانية وهي أنها نزلت في قطاع الطريق والخارجين على السلطان، إلا أن تضارب هذه الروايات واضطرابها يدفع الأخذ بها، ليبقى السياق القرآني ومبادئ اللغة العربية ومبناها البلاغي دليلا إلى ما سيقت له وأمرت به، وهو أنها في بني إسرائيل إذ بالغوا في سفك الدماء وأسرفوا في القتل، فحذرهم عز وجل من عاقبة ذلك وغلظ عليهم العقوبة في الدنيا والعقاب في الآخرة، فأصروا وأوغلوا فيما نهوا عنه فعد الله تعالى أعمالهم هذه كفرا ومحاربة له ولرسوله وسعيا في الأرض بالفساد، ونزل قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} ، وتقدير معناها في سياقها القرآني مع ما قبلها:"من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعًا ولقد جاءتهم رُسُلنا بالبينات الواضحة على تحريم القتل والعدوان، ولكن كثيًرا منهم أسرفوا في قتل أولياء الله ومحاربة دينه والسعي في الأرض بالفساد، ومن أقدم على ارتكاب هذه المنكرات فقد حارب الله ورسوله وكان جزاؤه أن ....".

أما المحاربة في قوله تعالى: {يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فإنها في حق الله تعالى مستحيلة، لذلك وجب حملها على المجاز أي: محاربة دينه، كما أن محاربة الرسل عليهم السلام ممكنة في حياتهم وتُحمَل على المجاز بعد مماتهم إذا حوربت رسالتهم ودعوتهم وسنتهم. ومثل هذه الآية الكريمة مما

(1) - كانت أبوال الإبل في الطب القديم تعالج بها أمراض الكلى والمثانة والجهاز الهضمي. انظر: كتاب الحاوي في الطب، باب تجارب المارستان، لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي المتوفى سنة 313 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت