وأبعده. وعن سيبويه: خَزِي الرجلُ خِزْيا وخَزًى، إذا وقع في بلية وشَرٍّ وشُهرة بالسوء فَذلَّ بذلك وَهَان. والمراد به في الآية الكريمة عاجل عقوبة المسرفين من بني إسرائيل، أما آجل عقوبتهم في الآخرة فقوله تعالى عقب ذلك: {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، فجَمَع لهم الحق سبحانه بين خزي الدنيا هوانا وذلا وتشهيرا بالتقتيل أو التصليب أو القطع من خلاف أو النفي، وبين خزي الآخرة عذابا عظيما في جهنم، مثلما جمع ذلك من قبل لقوم عاد إذ كفروا واستعلوا بقوتهم وقال تعالى فيهم: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} فصلت 16، وفي ذلك إشارة إلى أن هاتين العقوبتين - خزيَ الدنيا وخزيَ الآخرة - لا تجتمعان إلا لكافر، وأن الآية في بني إسرائيل خاصة، لا سيما والأمة الإسلامية معصومة من خزي الدنيا والآخرة ما تمسكت بعقيدة التوحيد لقوله تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} التحريم 8، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه قال: (غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة حتى ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: إن ربي عز وجل استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ قلت: ما شئت ربي، هم خلقك وعِبادك وعُبَّادُك فقال: لا نخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني ... ) [[1] ]، كما أن العقوبات الدنيوية للمؤمن ليست خزيا له، بل مجرد كفاراتٍ مطهراتٍ، سواء كانت حدودا أو قصاصا أو تعزيرا أو مرضا أو محنة، يؤكد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يصاب بمصيبة - وجع أو مرض - إلا كان كفارة ذنوبه، حتى الشوكة يشاكها أو النكبة) ، وما رواه عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من
(1) - الهيثمي في مجمع الزوائد، وحسَّنَ إسنادَه،: السيوطي في البدور السافرة وقال: إسناده حسن.