فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 278

وقطع السبيل ومناهضة الحاكم خارج المصر، واختلفوا فيمن حارب داخل المصر، فقال مالك:"المصر وخارجه سواء"، وفرقوا بين من خرج تظلمًا فحكمه عندهم أن ترفع عنه المظلمة، ومن خرج متأولًا أنه على حق وأن الإمام غير شرعي، فهو في نظرهم الخارجي، الباغي، المحارب، وحكمه ما ورد في آية الحرابة من التقتيل أو التصليب أو القطع من خلاف أو النفي من الأرض. إلا أن الإمام عليّا رضي الله عنه في مقاومته للبغاة - وهو أول من ابتلي بهم - يرى غير ما رآه الفقهاء بعده، يرى وجوب دعوتهم إلى التوبة وتكرار دعوتهم ومناظرتهم، كما فعل مع معاوية إذ كاتبه وأرسل إليه، ومع الخوارج إذ أرسل إليهم ابن عباس رضي الله عنه فناظرهم فتاب منهم أربعة آلاف، ورفض الباقون دعوته فأرسل إليهم قائلا:"كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا أحدا، فقتلوا واليَه عبد الله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقروا بطن زوجته وهي حبلى [[1] ]، فطلب منهم تسليم القاتل فقالوا:"كلنا قتله"ورفض من لم يقتله التبرؤ ممن قتله، فأذن حينئذ في قتالهم، ومع ذلك لم يكفرهم، وعندما سئل عن عقيدتهم فقيل له: أكفارٌ هم؟ قال: هم من الكفر فروا، فقيل: أفمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله بكرة وأصيلا، فقيل: ما هم؟، قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا."

إن فقه الإمام علي رضي الله عنه في هذه النازلة هو عين الشريعة الإسلامية في وضوحها وعدالتها وحرصها على صيانة دماء المسلمين وحرماتهم، وهو التطبيق السليم لما في الكتاب والسنة من أدلة خاصة صريحة وأخرى عامة، تحرم الظلم والتظالم والعدوان وتلزم بالحق والعدل، فمن

(1) - كما قتلوا الصحابية الجليلة أم سنان رضي الله عنها وثلاث نسوة من طيء، فبعث الإمام علي رضي الله عنه إليهم رسولا لينظر صحة الخبر فيما بلغه عنهم ويكتب به إليه، فلما دنا منهم وسألهم قتلوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت