ورأى البعض أن يكتفى بقطع الأطراف الأربعة، دون قتل في الخامسة، مستدلين بالحديث الذي أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة (إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله. ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله) ، ولكن هذا الحديث في إسناده الواقدي، وقد أخرج الطبراني والدارقطني نحوه عن عصمة بن مالك، ولكن إسناده ضعيف، إلا أن الحنفية خالفوهم في ذلك ورأوا أن تقطع رجله في الثانية ويكتفي بالسجن فيما بعدها، وهو فعل علي رضي الله عنه فيما رواه عنه البيهقي إذ أتي إليه بسارق للمرة الثالثة وقد قطعت يده ورجله، فقال: (إني أستحيي من الله أن أقطع يده فبأي شيء يأكل؟، أو أقطع رجله، فعلى أي شيء يعتمد؟) .
أما نحن، فإننا نرى أنه لم يصلنا في قطع رجل السارق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ثابت، والآية القرآنية لم تبين إلا قطع اليد، ولا حجة لنا إلا من كتاب الله، وما ثبت من سنة صحيحة عن نبيه عليه السلام. وليس فيهما أمر أو إباحة لقطع أي عضو من السارق غير يده، وبالطريقة التي تقدم شرحها، وما سوى ذلك لا نرى جوازه إلا بنص صحيح وليس بين أيدينا هذا النص، ودم السارق حرام إلا بحقه، كدماء جميع المسلمين الثابتة بالنصوص الصحيحة، وما ثبت بنص صحيح لا ينسخ إلا بآخر صحيح.
على أننا إذا تقبلنا مفهوم القطع كما شرحناه آنفا، وهو أنه لا يفيد البتر والاستئصال، وإنما يفيد الجرح والخدش، أو قطع جزء من اليد، كما فعل الإمام علي كرم الله وجهه، أو أدنى من ذلك أو أكثر قليلا، زال الإشكال عن موضوعين أساسيين من قضايا السرقة:
أولهما: تعدد السرقة، وتعدد العقوبة تبعا لذلك، لأن إيقاع الألم بيد السارق بجرحها وخدشها، يمكن أن يتكرر في اليد الواحدة، إذا ما تكرر صدور السرقة من الشخص الواحد، كما أن قطع جزء من اليد (أصبع أو سلامية أو نحو ذلك) يتيح فرصة إقامة الحد على السارق عدة مرات في اليد الواحدة، إذا ما تكرر منه فعل السرقة.