فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 278

ثانيهما: مشكلة تناسب العقوبة مع مقدار السرقة وخطورتها، وهو إشكال احتار فيه الفقهاء كثيرا، إذ لم يستطيعوا أن يقنعوا كثيرا من العامة، بتناسب عقوبة استئصال اليد مع سرقة شيء تافه، كأترجة أو مجن قيمة كل منهما ثلاثة دراهم، أو حتى خمسة دنانير. مما أدى ببعضهم إلى الاستهزاء بالفقهاء قائلا:

يد بخمس مئين عسجد وديت ... مابالها قطعت في ربع دينار

فطلبه الفقهاء لمعاقبته فهرب، فأجابه القاضي عبدالوهاب المالكي:

صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم حكمة الباري

وهذا جواب غير مقنع، لأن صيانة عرض المسلم ودمه وحرمته، أعظم عند الله من صيانة المال، وحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة.

ونحن نرى- وبالله التوفيق - أن هذا الإشكال قد أزيل بسبب وضوح معنى"القطع"، بحيث يقدر الجرح أو القطع الموقع باليد طولا وعرضا وغورا ومساحة، بما يتناسب ومقدار السرقة وخطورتها وعدد مرات ارتكابها، فعن سرقة الشيء التافه يجرح السارق جرحا صغيرا في يده، ثم يكبر الجرح أو يتحول إلى قطع، ثم يتسع مدى القطع في نفس اليد تبعا لما صاحب السرقة من ظروف أو تعدد. وبذلك يزول الإشكال الفقهي في التعدد والتناسب بين مقدار العقوبة ومدى خطورة السرقة أو تعددها ببساطة ويسر، ودون أن نعطل حدود الله، أو نقطع من السارق ما حرم من دمه ولحمه.

كما وقع الخلاف بين الفقهاء أيضا حول مقدار المسروق الذي يكون فيه القطع، وهو ما يعرف عندهم بالنصاب، فذهبوا مذاهب شتى لأن الآية الكريمة وردت مطلقة غير محددة لمقدار معين يقطع فيه السارق. وأصَّلوا لما رأوه بأحاديث مرفوعة ومرسلة يدفع بعضها بعضا، فحددوا النصاب بدينار وبنصف دينار وربع دينار وثلث دينار، وبثمن المجن - وهو الترس- فما فوقه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت