في نفس السورة بقوله عز وجل {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} المائدة 67، ولئن كان النداء بالنبوة والنداء بالرسالة كلاهما تشريف بدرجة واحدة من حيث صلة الرسول صلى الله عليه وسلم بربه تعالى فإن نداءه بصفة الرسالة يناسب ما يقتضيه تبليغ الرسالة من مخالطة لأخيار الناس وأشرارهم، وما تستوجبه دعوتهم من الصبر على أذاهم، وما يثيره في النفس إعراض بعضهم من ألم وحسرة وحزن. كما أنه نداء تعظيمٍ له صلى الله عليه وسلم إذ أشرف على إتمام التبليغ بنجاح، وخطاب تأديب للمؤمنين وتعليم لهم أن يخاطبوه بهذا الوصف، وقد كان بعض الأعراب ينادونه باسمه المجرد ثم كفوا عن ذلك عندما أنزل الله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} النور 63. وهو في نفس الوقت إشعار الرسول صلى الله عليه وسلم وكافة المؤمنين بأن أمر الخلق لربهم يفعل بهم ما يشاء، ونهي عن الحزن لهم أو عليهم بقوله تعالى عقب ذلك:
{لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} والحزن خلاف السرور، من فعل حزِن يحزَن فهو حزين، وحزَنَه الأمر يحزُنه وأحْزَنَه يُحزِنه سواء، ولذلك وردت قراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي، وقراءة الباقين بفتح الياء وضم الزاي. والمسارعة في الكفر هي هشاشة المعتقد وسهولة الانقياد للكفر والتهافت فيه، والإسراع إلى الردة والتأثر بأعداء الدين، والمبالغة في موالاتهم، وترويج إشاعاتهم وأقاويلهم، واستحداث أوجه الكيد والمكر بالمسلمين. وهي أبرز صفات المنافقين في زمن البعثة وفي كل عصر بعدها. وليس للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لجميع المؤمنين الصادقين أن يحزنوا لها أو تشغلهم عما نذروا له أنفسهم من دعوة الحق، أو تلهيهم عن تبليغ الدين وتبصرة الناس به، لأن الله تعالى ناصر دينه وأولياءه، وقلوب الخلق بيد بارئها {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} الرعد 27، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} النور 54.