قلوبها ويضعف لديها الزخم الإيماني الذي ورثته عن نبيها، وتُبْعِد النُّجْعَةَ [[1] ]في طلب الدنيا، ويتحول الدين لديها إلى حالة اجتماعية جاهلة، أو مرجعية سياسية براغماتية جافة، أو موروث ثقافي بارد لا علاقة له بجوهر الدين وغاية ما يهدف إليه وحقيقة ما جاء به، فتتحول الأمة بذلك إلى"مسلمين على الشياع"، لا أثر للإسلام في قلوبهم وولائهم ونظم معيشتهم الفردية والجماعية، حينئذ يهتبل ديدان القراء وعلماء السلطان فرصة الجهل والفراغ العقدي لدى العامة فيسربون إليهم الفتاوى الضالة المضلة التي تستهويهم وتروضهم وتخضعهم وتبتزهم.
من ذلك ما رواه مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأخرجه الشيخان، قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) فقالوا:"نفضحهم ويجلدون"، فقال عبدالله بن سلام:"كذبتم إن فيها الرجم"، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آيه الرجم، وقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبدالله بن سلام:"ارفع يدك"، فرفع يده فإذا آية الرجم، فقالوا:"صدق يا محمد فيها آية الرجم"، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما.
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس قال:"أنزل الله هذه الآية في طائفتين من اليهود كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته الطائفة العزيزة من الطائفة الذليلة فدِيتُه خمسون وسقا [[2] ]، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فدِيتُه مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا،"
(1) - أصل النُّجعة طلب الكَلَأ، ثمَّ صَار كل طَالب حَاجَة منتجعا. فيقال: انتجعت أرضَ كذا في طلب الكلأ، وانتجعت فلانا لطلب معروفه، قيل لقوم من الْعَرَب: بِمَ كثرت أَمْوَالكُم؟ فَقَالُوا: أوصانا أَبونَا بالنجع والرجع، فالنجع طلب الكلأ والرجع أَن تبَاع الذُّكُور وترتجع الإِنَاث.
(2) - الوسق من المكاييل، حمل بعير أو سِتُّونَ صَاعا، جمعه أوسق وأوساق، وَصَاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعَة أَمْدَاد، والمُدُّ رُبع الصّاع، سُمِّي مُدًّا لأنه مُقَدَّر بأن يُمدَّ الرجلُ يَدَيْه فيملأ كفّيه طَعامًا.