فيه، جمع لهم خزي الدنيا وعذاب الآخرة كما جمعهما لبني إسرائيل في آيات الحرابة سابقا. ولا شك في أن هذه العقوبات الدنيوية والأخروية المقررة للمنافقين واليهود تهديدا لمن يفعل فعلهم من أجيال المسلمين وتحذيرا لهم من هذه المسالك الضالة، وهو ما نبه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (لتتبعن سنة من كان قبلكم باعا بباع وذراعا بذراع وشبرا بشبر حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه) ، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (فمن إذا) ، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) .
ويمضي السياق القرآني يعرض بعض مخازي هذه الطوائف أخلاقيا وسلوكيا فيؤكد تجسسهم على المسلمين بقوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} من أجل الحصول على مكاسب محرمة يأكلونها فتهلكهم {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} والسُّحْتُ وَالسُّحُتُ بِسكونِ الْحاءِ وَضَمِّهَا: الْحرام، سُمِّي بذلكَ لأَنّه يُسْحِتُ الْبركَة، أَيْ يُذْهبُها. يقال: سَحَتَه اللَّه أَي أَهْلكه، قال صلى الله عليه وسلم: (كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به) .
ثم يعقب الحق سبحانه بإرشاد رسوله صلى الله عليه وسلم إلى كيفية التعامل معهم إذا ما تحاكموا إليه مرة أخرى بقوله له:
{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} فلك الخيار بين أن تحكم بينهم أو تعرض عنهم، لأنهم عابثون بالأحكام الشرعية، {وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ} فلم تحكم بينهم {فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} لأنهم أضعف من أن يؤذوك وقد مكن الله لك، وما كان لهم من هدف إلا انتقاء الأيسر والأخف من الأحكام وفتنتك عما جئت به من الشريعة، {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} وإن رأيت أن تحكم بينهم فالزم العدل في حكمك في كل حالات الرضا أو الغضب، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} العادلين، لأن العدل هو قوام الشريعة عقيدة ومنهج اجتماع وحكم وقضاء.