فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 278

{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وكما أن الخطاب في هذه الآية موجه للنبي صلى الله عليه وسلم لأن بعض أهل الكتاب كانوا يتحاكمون إليه أحيانا، فإنه موجه أيضا إلى كل فرد مسلم كي يحكِّم في نفسه وماله وأهله وولده ما أنزل الله تعالى من القرآن، وإلى كل مسؤولِ جماعةٍ أو قرية أو فئة أو أمة كي يُحَكِّم شريعةَ الإسلام.

لقد كمل الدين وأسبغ الله تعالى نعمته على الأمة، وأصبح أمر إقامته جازما لا يقبل المراجعة ممن أراد أن ينتسب إليه، ونسخت أحكام الكتب السابقة، فلم يعد الرجوع إليها مقبولا، وأحرى بالمؤمنين أيضا أن يكفوا عن تحكيم ما سواها من الأهواء والبدع والضلالات الأخرى، وعن الخضوع لها أو إيثارها أو الحديث عن جدواها مهما تنوعت تسمياتها أو تعددت تبريراتها، سواء بالمصلحة المُتَوَهَّمة أو المقصد المُمَوَّه، أو مسايرة روح العصر، أو غير ذلك من التعلات المزعومة، لذلك عقب الحق تعالى بأمر آخر يزيد الحكم بما أنزله وضوحا، ويحول دون تمييعه أو إساءة تأويله أو محاولة التحلل منه فقال عز وجل:

{وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} والأهواء جمع: هَوًى، بالقصر، أي هَوى النفس ورغبتها، من فعل:"هَوِيَ"إذا أحب ورغب، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ص 26، أما الهواء بالمد فهو الجو وجمعه أهوية، ومنه قوله تعالى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} إبراهيم 43، أي فارغة.

والأصل في الأهواء والرغبات الاختلاف والتناقض فلا يجتمع أصحابها إلا نادرا ثم يفترقون، ويتباغضون ويتبرأ بعضهم من بعض، ولذلك يقال: جمعتهم الأهواء، ولا يقال ألفت بينهم الأهواء، لأن التأليف يفيد الموافقة والتوافق، كما هو شأن المؤمنين إذ تحرروا من الأهواء بإيمانهم فألف الله بين قلوبهم: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} الأنفال 63. ذلك لأن للمؤمن العاقل مقياسين يعرف بهما الحق من الباطل، هما النص الشرعي والتفكير العقلي السليم المنضبط بالنص، فإن توسل بهما متحررا من رغبات النفس وهواها كان الصواب والسداد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت