وتآلف مع المؤمنين أمثالِه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) . لذلك وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة للتحذير من أن يجاري المؤمن أهواء نفسه أو يطيع أهواء غيره، فمن القرآن قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} الفرقان 43، وقوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} الجاثية 23. وقوله: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} الشورى 15، وقوله: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الكهف 28، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وإنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه، لا يبقى منه عِرْق ولا مَفصل إلا دخله) ، وهو ما فهمه الحسن رحمه الله إذ قال:"اتقوا هذه الأهواء التي جُمَّاعُها الضلالة ومعادها إلى النار".
ولئن كانت بعض الأهواء أحيانا تموِّه على أهلها بمصلحة عارضة يسعون لها أو منفعة مُتوهَّمة يطلبونها، ويكون التنازل عن الحق أو عن بعضه وسيلةَ لتحقيقها، فإن التلبيس باتخاذها مرجعا للحكم لا يعني إلا الافتيات على الله تعالى والكذب عليه وادعاء العلم بمقاصد شرعه ومصالح عباده في غير القرآن والسنة.
وما دامت أهواء بعض الناس هي الحاكمة والمتحكمة فيهم فلن يجتمعوا على دين واحد أو مصلحة حقيقية بينة أو مقصد ثابت، لأن عبد الهوى لا يقبل دعوة الحق ولا يستجيب لدعاتها ما لم يتحرر أولا، وما تقزيم الحق أو تقليمه أو التنازل عن بعض أحكامه إلا إساءة للحق نفسه، وإضرارا بآخرة من تجرأ عليه أو باركه أو شجع عليه، وقد أُنْزِل الحق على محمد صلى الله عليه وسلم وأُمِر باتباعه والعمل به ودعوة الناس إليه، فآمن به قوم حرروا أنفسهم وحرروا غيرهم، وكفر به آخرون تأسرهم الأهواء، فتحملوا في ذلك مسؤولية اختيارهم، وهم على ما ماتوا عليه إلى أن يلقوا ربهم فيحاسبهم، وليس على المؤمنين إلا الدعوة والتبليغ بالكلمة الطيبة والمجادلة بالحسنى، من غير أن يتساهلوا في شيء من أحكام العقيدة أو الشريعة إرضاء للفرق الضالة، أو حرصا على تجميعها أو