فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 278

توحيدها، أو تأليفها، لأن كل طائفة منهم معجبة بهواها، متمسكة بضلالها، وقد جعل الله للمسلمين دينهم القيم منهجا ونظام حياة، واختار غيرهم الضلالة شرعة فجعلت لهم استدراجا وإمهالا {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} القلم 44 - 45، كل من اختار سبيلا ومات عليه حوسب به يوم القيامة، إن خيرا فخير أو شرا فشر، إنها حكمة الله في خلقه لا يسأل عنها {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} الأنبياء 23، خلقوا متباينة مشاربهم وميولهم، متفاوتة استعداداتهم وقدراتهم، مختلفين فكرا وعاطفة وصلابة وليونة وسعيا، ثم دعوا إلى الحق فاختلفت استجابتهم له وكانت منهم أمم كثيرة، كل أمة تميزت بما اختارت لنفسها من المناهج والشرائع {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} تلك مشيئة الله تعالى في خلقه بني آدم، قد أطعمهم وسقاهم وعلمهم وأكرمهم ولا يريد منهم جزاء ولا شكورا {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} ولكن يريد ليختبركم فيما آتاكم من فضله وما أنزل عليكم من الهدى {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} سارعوا إلى خير الدنيا والآخرة وابتدروه، وسابقوا إلى الالتحاق بركب الإيمان والإسلام، {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} يوم القيامة {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} فيخبركم بالحق فيما اختلفتم فيه، ويميز محقكم ومبطلكم، وعاملكم بكتابه ومفرطكم فيه.

ولعل هذه الآيةَ الكريمةَ - وقد اكتمل الدين وآذنت حياة النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل - دعوةٌ إلى مصابرة المخالفين ومطاولتِهم بالحوار الجاد والحجة القاطعة ولين الجانب حتى يتميز الحق من الباطل، لأن الحق دائما غني عن الإكراه، أبلج يعرف نفسه ويعرفه أهله، لا يحتاج إلا لحسن التقديم، لا سيما وقد استتب الأمر للإسلام بفتح مكة، وأصبح سيد الساحة وملاذ المتحاكمين من أهله ومن غير أهله، وكسرت شوكة أعدائه فلم يبق لهم من وسيلة إلا الدس والمكر الخفي. لذلك حث الحق تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه على اليقظة لما قد يدسه الساعون لتأجيج الفتن وتخذيل الصف، فقال مؤكدا أمره بالحكم بما أنزل الله، وناهيا عن الاغترار بأصحاب الأهواء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت