{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} وما أنزله الله هو الشرائع التي ورد بها القرآن والسنة النبوية أحكاما وعبادات وأخلاقا ومروءات ومنهج حياة، أما تكرار الأمر بالحكم به في هذه الآية فهو تأكيد للأمر السابق وتوضيح له وتمهيد به لذكر أخطر مداخل الفساد في الحكم وتدبير الشأن العام للأمة، أولها وأشدها يوضحه قوله تعالى عقب ذلك:
{وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} ذلك أن أهواء الأفراد والجماعات والأحبار والرهبان وبعض من يسمون عند المسلمين رجال دين كانت عبر تاريخ الرسالات السماوية مداخل الشيطان لإفساد العقيدة والتحايل على الشرائع، وأحرى ألا يتبعها من ينتسب لهذا الدين وقد اكتمل بنزول آخر سورة تشريعية، تبين أن أي تغيير فيه أو تحريف له أو اقتراح عليه بالنقص أو الزيادة يعد تنكرا له وشكا في صلاحيته.
ولئن كان اليهود كثيرا ما حاولوا استدراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحكم بما يوافق أهواءهم كما في حادثة رجم الزاني، فإنهم في حالات أخرى عملوا على فتنته عن الحق الذي أرسل به، مكرا به ومحاولةً لإيقاعه في تناقض يشوهون به صورته وصورة ما جاء به، لذلك خاطب الحق سبحانه نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم محذرا بقوله:
{وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} والفتنة في هذا السياق هي الميل عن الحق والوقوع في الباطل، والمعنى: احذر يا محمد هؤلاء اليهود وجميع أعداء الدين أن يصدوك عن بعض ما أنزله الله إليك من العقائد والأحكام الشرعية ومفصلات الدين، أو أن يحملوك على ترك العمل به في أي ظرف أو حال، فتُصرف عن الحق وتقع في الباطل. وقد نزلت هذه الآية مشيرة إلى ما عرضه بعض أحبار اليهود عليه صلى الله عليه وسلم، إذ قال بعضهم لبعض:"اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر"فأتوه فقالوا:"يا محمد إنك قد عرفت أننا أحبار اليهود وأشرافهم وسادتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعك اليهود، ولن يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك"، فأبى ذلك عليهم رسول الله صلى الله