فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 278

عليه وسلم، فتولوا ساخطين محبطين، وأنزل الله تعالى هذه الآية كشفا لخداعهم وفضحا لمكرهم، ثم بين عاقبة أمرهم وأمر أمثالهم بقوله عز وجل:

{فَإِنْ تَوَلَّوْا} فإن تولوا عن الإيمان وأعرضوا عن حكمك بما أنزل الله، وفضلوا غيره مما فيه هواهم أو مكرهم ودسائسهم {فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أن يعجل لهم في الدنيا عقوبة بعض ما يرتكبون فينصرك عليهم كما نصرك في بدر والأحزاب وبني النضير وقينقاع وغيرهم، ويدخر لهم في الآخرة تمام العقوبة وأوفاها، فلا تبتئس لما فعلوا ولا يَرُعْك حالُهم، ولا يحزنك ما ران عليهم وعلى كثير من أمثالهم من الفسق، فإن من حكمة الله تعالى أن يكون في البشر مؤمن وفاسق {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} .

إن من حكمته تعالى أن يبتلِيَ العبادَ فيعرضَ عليهم نجدي الخير والشر فينظرَ كيف يعملون، ولا إكراه في الدين إن تبين الرشد من الغي {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} الإنسان 3، وإذا رفض الفساق حكم الله تعالى، وكتبت عليهم الضلالة فلم يملك لهم مخلوق رشدا أبدا.

وإن من قضائه عز وجل عدلا أن جعل الإنسان على ناصية طريقين لا تلتقيان يختار إحداهما، طريق الإيمان ومن مقتضاه أن يعتمد في جميع شؤونه على العلم اليقيني الثابت في الكتاب والسنة، منهجا يستمد منه تصوره الاعتقادي ونظمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية وقيمه السلوكية فردية وجماعية، وطريق الجهل بالمبدأ والمعاد ومخاطر السير والمصير، بما فيه من جاهلية الاعتقاد والاختيار والتصرف، ومن مقتضاه شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، والناس في ذلك بين اختيارين لا ثالث لهما ولا جامع بينهما، حكم الله الذي يلغي حاكمية البشر للبشر، ويعطي الناس بمنهجه الشامل وشريعته المتكاملة حق التسلط على شأنهم الدنيوي مع العمل لشأنهم الأخروي، وحكم الجاهلية الذي يستعبد فيه الإنسان أخاه الإنسان ويتسلط عليه ويضع له القيم الهابطة والشرائع الظالمة والنظم المختلة، فأي الخيارين أحسن مآلا وأفضل عاقبة، وأي الحكمين يبغيه العقلاء؟ وهؤلاء السفهاء الذين كانوا يترددون على الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه لاستدراجه إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت