فيه سراجٌ يُزهرُ فذلك قلبُ المؤمنِ، وقلبٌ أغلفُ فذلكَ قلبُ الكافرِ، وقلبٌ منكوسٌ فذلك قلبُ المنافقِ عرفَ ثمَّ أنكرَ وأبصرَ ثمَّ عمِيَ، وقلبٌ تمُدُّه مادَّتانِ مادَّةُ إيمانٍ ومادَّةُ نفاقٍ هو لِما غلبَ عليه منهما"."
ونحن نرى في عصرنا هذا - كما رأى السابقون - أصنافا من القلوب المريضة في جميع المجالات السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية.
في مجال السياسة نرى الأحزاب العلمانية الموالية لغير المسلمين عن عقيدة واقتناع، وأحزاب النكهة الإسلامية الراكنة إلى أعداء الدين بدعوى الحاجة والاضطرار، ونرى الحكام الخاضعين للأجنبي استنصارا وطمعا في الدعم أو خوفا من شعوبهم ومحافظة على عروشهم، وفي المجالات العسكرية نرى الانبطاح للأجنبي خوفا وطمعا والاعتماد عليه تسليحا وتدريبا واستنصارا وحماية، وفي المجال الثقافي والاجتماعي نرى انبهار كثير من مثقفينا وعلمائنا ورؤساء جامعاتنا وقادة مراكز البحث العلمي لدينا بنظريات الغرب ومناهجه وشطحاته الفكرية وعاداته وتقاليده المبنية على غير هدى. كلهم يبررون ما ارتكسوا فيه بالخوف من تقلب الحال وعاقبة المآل:
{يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} والدائرة واحدة الدوائر، وهي صروف الدهر ونوازله وتقلباته السلبية ومصائبه، إنهم لعدم ثقتهم بالله يتمسكون بولائهم لغير المسلمين، خوفا منهم أو تحسبا لاضطرار يلجئهم إلى طلب المساعدة منهم. وقد ورد في سبب نزول هذه الآية (أن عُبادة بن الصّامت قال: يا رسول الله إِن لي موالي من اليهود، وإِني أبرأ إِلى الله مِن ولاية يهود، فقال عبد الله بن أُبيّ - رأس المنافقين-: إِنّي رجلٌ أخاف الدوائر، ولا أبرأ إِلى الله مِن ولاية يهود) . وهو نفس سلوك المنافقين في كل عصر، نرى نماذج منه حاليا في حكام المسلمين الذين ركنوا إلى أهواء ألفوها وأطماع استطابوها فالتبست عليهم الطرق، وغابت عنهم معالم الحق، واستدرجهم فقه الرخص والمقاصد الرخيصة والمصالح الدنيوية السافلة إلى أحضان أعدائهم: {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} .