فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 278

فإن حاول الصادقون نصحهم ردوا بأن الحاجة والضعف والخوف من البطش تقتضي المجاملة وإظهار الولاء ريثما تُستجمَع القوةُ وتُضمن الغلبةُ، ويستدلون بقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} آل عمران 28، ولكن ظاهر أمرهم وباطنه يدل دلالة قاطعة على أنهم ركنوا إليهم ركونا مطلقا واستعانوا بهم في كل أمرهم واعتمدوا عليهم حتى في توفير الرفاهية لقصورهم والسلاح لقهر شعوبهم، وليس لهم أي تصور لأي عمل يخرجهم من نير الخضوع الذي يرتكسون فيه. بل هم أدوات طيعة لقمع من تسول له نفسه الاستغناء عن الأجنبي ولو في مجال توفير الخبز للمسلمين باستصلاح الأرض وتعميرها، ولنا المثل من تاريخ الحفصيين في تونس، إذ تسمى المستنصر الحفصي سنة 659 هـ (1259 م) بأمير المؤمنين عقب سقوط خلافة العباسيين في بغداد، ثم اضطروا للخضوع للإسبان فترة، وللمرينيين بالمغرب فترة، وحاربوا في صفوف الصليبيين فترات، وأعطوا الجزية إلى ملك صقلية (شارل دانجو) اتقاءً لاعتداءاته على شواطئهم وأساطيلهم. بل إن المستنصر أخذ يتودد إلى النصارى حتى ظن لويس التاسع أنه يميل لاعتناق النصرانية، مما شجعه على غزو تونس في 26 ذي الحجة 668 هـ (1270 م) ، ثم تراجعت حملته بعد أن تعهد المستنصر بمضاعفة الجزية للصقليين حلفاء الفرنسيين.

لذلك يرد الوحي على المنافقين السابقين واللاحقين بما يدخره الله تعالى من نصر للمؤمنين الواثقين الصادقين بقوله عز وجل:

{فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} فعسى أن يأتي المؤمنين نصر من الله تعالى على أعدائهم، فتفتح البلاد المستعصية لمجاهديهم، أو تفتح القلوب لدعوتهم فيدخل الناس فيها أفواجا.

{أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} أو يمن عز وجل على عباده بنصر آخر غير الفتح المعلوم، نصر لا يعلمه ولا يقدره أو يقدر على إنفاذه إلا هو سبحانه، فيهلك أعداءهم كما أهلك أمم الضلالة قبلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت