فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 278

إن الولاء لغير الله ولو مَوَّه أصحابه عليه بادعاء الإيمان وأخوة أهل الإسلام كما بينته هذه الآية الكريمة ردة واضحة وكفر صراح مهما جادلوا، وما النص فيها على إحباط العمل وخسران الآخرة إلا زيادة تأكيد لهذا الكفر وتخويف منه، لذلك عقب الحق سبحانه على ذلك مباشرة بتحذير المؤمنين من الردة عن الدين، سواء كانت ردة نفاق أو ردة كفر معلن صريح فقال:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} والارتداد معناه الرجوع من غير هداية ولا إرشاد، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} محمد 25. وقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} البقرة 217. وهو في هذا السياق القرآني معناه الخروج عن الدين، لأنه انصراف عن الحق بعد الهدى، ورجوع إلى الكفر بعد الإيمان، بما في ذلك من إنكار للوحدانية والرسالة، أو إنكار للكتاب والسنة، أو إنكار للمعلوم من الدين، أو ولاء ظاهر وخفي للعدو، محبة له وركونا إليه، أو نصرا له واستنصارا به، ولذلك ورد التحذير في هذه الآية من الردة عقب آية تحريم الولاء لغير الله، لأنه في جوهره ردة أو ذريعة إلى ردة.

وحرف الشرط {مَنْ} في قوله تعالى: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} جوابه قوله عز وجل بعدها {فسوْفَ يأتي الله بِقَوْم غَيْرهم} . أما قوله تعالى: {يَرْتَدَّ} فقرأها نافع وابن عامر بِدالَيْنِ: {يَرْتَدِدْ} . أي من يتراجع منكم عن الإيمان وينسلخ من الدين {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ} بقومٍ غيركم يتميزون بصفات لم تتَّسِع قلوبكم لها ولم يَرْقَ إيمانكم رُقيَّها، عُصبةٍ مختارة مُدَّخَرةٍ في علم الله تعالى لدينه، أخلصوا ولاءهم له وحده {يُحِبُّهُمْ} يرضى أعمالهم فيصطفيهم لدينه ويلهمهم الطاعة ويثيبهم عليها {وَيُحِبُّونَه} محبتهم لله تعالى مِلاكها وقِوامُها أنهم متبعون سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} آل عمران 31، محبتهم لله تحملهم على إيثار طاعته ورعاية حقوقه، وترك حظوظ أنفسهم ما لم توافق أمره ونهيه، وهم بذلك في كنف الله وحفظه وهدايته وتوفيقه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت