اختار أن ينغمر في هذا الفضل ويتخلق بهذه الصفات، ويكون من هذه الفئة المؤمنة التي يحفظ بها الحق سبحانه دينه ويمكن بها لمنهجه ويبسط بها شريعته، وينشر بها رحمته.
ولئن أمرت هذه الآيات الكريمة بالبراء من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق، وكان هذا البراء يقتضي بُغض من يعادون الله ورسوله والمؤمنين، ويحرم الاستنصار بهم أو إعانتهم على أهل الإسلام، فإن ذلك ملزم شرعا بالتحيز للصف المسلم وموالاته في كل أمر، عاطفة ومحبة وسعيا وحماية ونصرة، ونصحا وتكافلا، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} التوبة 71، لذلك عقب الحق سبحانه على آيات البراء بآيات الولاء فقال:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} و"الولي"هو النصير الذي يرجى في المحن، ويرجع إليه عند الشدائد. وقد خصت هذه الآية الكريمة الولاء بالله تعالى ورسوله والمؤمنين وأكدته توكيدا وحصرا بحرف: {إِنَّمَا} الذي يزيد المعنى قوة ووضوحا.
إلا أن ولاية المؤمن للمؤمنين مقيدة بشرط صلاحهم، وعلامة صلاحهم أن يكونوا من {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} كما في قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} التحريم 4، لأن من كان وليهم الله ورسوله كان صالح المؤمنين والملائكة أولياءهم، ينصرونهم ويدافعون عنهم ويشدون أزرهم، هم فئتهم وحزبهم في مواجهة أحزاب الشيطان، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء، يغبطهم الأنبياء والشهداء) قيل: من هم يا رسول الله؟، قال: (هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا انتساب، وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) ، ثم قرأ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} يونس 62).