والعبادة لا تعني السجود أو الركوع فقط، بل تعني أيضا الاتباع والطاعة بما يخرج صاحبها من طاعة الله إلى معصيته، لأن من أطاع أحدا في معصية فقد عبده فيها.
ثم تأكيدا لهذه العقوبات المقررة وتكريسا لها يشير الوحي إلى أصحابها بازدراء مبَيِّنًا شرَّ مكانٍ أُعِدَّ لهم يوم القيامة فقال تعالى: {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} وشر مكان في الآخرة هو الدرك الأسفل من النار {وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} وأبعد عن الهداية إلى الحق في الدنيا، وعن طريق الجنة في الآخرة. عقوبتهم العاجلة في الدنيا غضب ولعنة من الله تعالى ومسخ وخذلان وترك لهم فيما اختاروه لأنفسهم من عبادة الطاغوت، ثم في الآخرة شر مثوبتهم إخلاد في الدرك الأسفل من النار.
لا شك أن هذه الصفات كلها منطبقة على اليهود، وكانوا أشد الكفار عداوة للإسلام ومكرا بأهله، ولذلك مضى السياق القرآني في كشف ما يكنونه لدعوة الإسلام وأهلها من غدر وخيانة، وما يتميزون به من رذائل أخلاق وسلوك، مستهلا بزيف ولائهم المعلن وأصيل نفاقهم المُضْمَر وضراوة عداوتهم الكامنة، فقال تعالى:
{وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} ، هذا حالهم في الكفر لا يتغير أبدا، إلا أنهم كلما جاؤوا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلنوا الإيمان نفاقا وتقية، وقد كان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتوحا للمسلمين وغيرهم من المنافقين وأهل الكتاب يغشونه لسماع القرآن وتعاليم الإسلام، فيهتدي بعضهم ويرجعون عن ضلالتهم، إلا أن آخرين منهم كانوا يدخلون المجلس مصرين على الكفر بقصد سيئ ونية فاسدة، مظهرين الإيمان نفاقا وتلصُّصا وتسقُّطا لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحوال المسلمين، وفيهم نزلت هذه الكريمة تخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يكتمون من الكفر، وأنهم يدخلون مجلسه كفارا ويغادرونه كفارا مصرين على الكيد والمكر، مستكبرين ينهون عن الإيمان ويصدون عن سبيله.