فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 278

{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ} أعلم بما كانوا يضمرونه عند دخولهم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسد له وحقد عليه، وتوسل بالنفاق والخداع للتجسس والمكر وتسقط الأخبار وتأويلها وليِّ أعناقها وإشاعة البلبلة بها في الصف المسلم ولدى الأباعد في القبائل والبطون، كما تقدم في تفسير قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} المائدة 41، وكما ورد في آيات أخرى من القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} آل عمران 72، وقوله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} محمد 16، وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا} الأنعام 25.

ثم بعد أن كشف الوحي الكريم ما يضمرونه من كفر ونفاق ودناءة نفوس، انتقل إلى انعكاس فساد عقيدتهم على سلوكهم وأخلاقهم الاجتماعية بقوله تعالى:

{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ذلك أنه ما ظهر في سلوك المرء من انحراف إلا كان انعكاسا لخلل في عقيدته أو فساد في تصوره الإيماني مهما دقَّ أو جلَّ. وما دام هؤلاء المنافقون واليهود الذين اتخذوا دين الله هزؤا ولعبا وبلغوا في الكفر منتهاه فما كان منتظرا منهم إلا أن يسارعوا في كل إثم ويرتكبوا كل عدوان ويستطيبوا كل سحت، والإثم هو ما يضر مرتكبه أو قائله في الدنيا والآخرة، والعدوان هو الظلم والاعتداء على الحقوق والحدود، والسحت كل كسب محرم غشا ونصبا وخداعا وربا وغصبا، وقد وصف الحق سبحانه ارتكابهم لذلك بالمسارعة فيه، ولم يقل يسارعون إليه، لأن المسارعة إلى الشيء هي السعي إليه من خارجه بسرعة، أما المسارعة فيه فتكون من داخله وذلك يدل على أنهم غارقون مغمورون في مستنقع الإثم والعدوان وأكل السحت كأنهم جزء منه، يرتعون فيه من شر حال إلى حالٍ شرٍّ منه، ويسعون داخله بخطى سريعة حثيثة لتكريسه وتعميمه واستثماره، كأَنْ لم ينزل عليهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت