كتاب وليس لديهم ناصح أو مرشد، ولذلك عقب الوحي الكريم بتوبيخ علمائهم وتقريعهم على تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأسلوب يعم علماء المسلمين في كل عصر فقال تعالى:
{لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} وحرف"لولا"لغةً يفيد التحضيض بمعنى"هلاَّ"، إلا أنه في هذا السياق يفيد التوبيخ، أي: حبذا لو كان عبَّاد بني إسرائيل {الرَّبَّانِيُّونَ} ، وعلماؤهم {وَالْأَحْبَارُ} ينهونهم عن الإثم وأكل الحرام مالا ومطعما، ولكنهم كتموا العلم فلم يأمروا عامتهم بمعروف ولم ينهوهم عن منكر. وهم بذلك أشد سوءا من العامة: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} أي: إن ما يقوم به علماؤهم من كتمان للعلم وترك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد فسادا من فساد العامة، لقيام الحجة عليهم إذ عرفوا الحق فلم يعملوا به، وحُمِّلوا واجب الدعوة إليه فلم يقوموا به، ورأوا الباطل فسكتوا عنه ولم ينكروه، ولذلك قال فيهم الحق سبحانه {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ، ولم يقل عنهم ما قال عن العامة في الآية السابقة: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} لأن العمل مجرد ممارسة وتنفيذ، أما الصنع فهو بناء وإنشاء، ولا يسمى العمل صناعة إلا إذا صار حرفة مستقرة راسخة يقتدى بها، وهو ما كان علماء بني إسرائيل يرتكبونه من متاجرة بالفتاوى الدينية وتحريف للأحكام الشرعية كما ذكر ذلك الحق سبحانه بقوله في آية أخرى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} آل عمران 187.
ولئن كانت هذه الآية الكريمة أشد تقريعا لعلماء بني إسرائيل فإنها أيضا بعمومها وإطلاقها حجة على علماء المسلمين إذا قصروا في تبليغ أحكام الدين أو تركوا الصدع بالحق والأمر بالمعروف، والنهي عن الفساد والبغي والطغيان، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال:"ما في القرآن أشد توبيخا من هذه الآية".
إن استمراء معايشة الكفر والإثم والعدوان وأكل السحت لا يقف بأهله عند هذا الحد بل يهوي بهم في دركات فساد الفطرة وانفلاتها إلى حضيض من الوقاحة والتشوه والمسخ، يجرئهم على