فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 278

خالقهم فيصفونه عدوانا بما ليس من صفاته، وذلك ما أخبر به الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين محذرا من عاقبة فساد التصور الإيماني بقوله عز وجل عقب ذلك:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ} الذين يدعون أنهم أتباع موسى عليه السلام [[1] ] {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} منقبضة محبوسة عن الإنفاق، وغَلُّ اليد وبَسْطُها يطلق مجازا على البخل والجود، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} الإسراء 29، وصفوا الحق سبحانه في هذه الآية بالبخل، كما وصفوه في آية أخرى بالفقر فقالوا: {قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} آل عمران 181، - تعالى عن ذلك علوا كبيرا-، وما كان يحملهم على ما قالوا إلا السخرية من فقراء المسلمين وقد رأوهم على فقرهم أقوى إيمانا وأشد إقبالا على الجهاد، وسمعوا تحريض القرآن الكريم على الإنفاق في سبيل الله بقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} البقرة 245.

وما دام الإناء يرشح بما فيه، والعدل أن يكون الجزاء من جنس العمل، فقد عقَّب الحق سبحانه بذكر ما جبلوا عليه من فساد طوية وسلوك جرأهم على ربهم وجعلهم يرمونه تعالى بما يستحيل في حقه، ويصفونه بما هو من صميم صفاتهم وأخلاقهم فقال عز وجل:

{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} دعا عليهم تعالى بأن تُغَلَّ أيديهم عن كل خير ومعروف على مدى مسيرتهم، وأن يسقطوا بيد أعدائهم يأسرونهم ويَغُلّونهم كما وقع لهم في سبي آشور وبابل، ثم حض على لعنهم والدعاء عليهم {وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} طردوا من رحمة الله وأبعدوا عنها بسبب ما ارتكبوه من وقاحة وظلم وعدوان على ربهم.

(1) - قيل إنهم سموا يهودا لقولهم فيما ورد من القرآن الكريم: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} الأعراف 156، وقيل نسبة إلى أبيهم يهوذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت