ثم فند الحق سبحانه زيف دعواهم وبين ما يتجاهلونه من صفات ربهم وأبطل ما يفترونه عليه بقوله تعالى:
{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} بل هو عز وجل غني كريم، يداه مبسوطتان غير مقبوضتين أو مغلولتين {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} إن شاء أعطى وإن شاء منع {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} الرعد 26، وعطاؤه عز وجل ومنعه على حسب ما تقتضيه حكمته، لا على ما يفضِّله الناس ويريدونه.
إن وقاحة بني إسرائيل وجراءتهم على الله تعالى، وغيظهم وحسدهم للمسلمين لم يترك لهم سبيلا إلى التوبة والتعقل وسماع الحق، كلما نُصِحوا اعتزوا بآثامهم، وكلما ذكروا بآيات الله غَلَتْ مراجل أحقادهم، ولذلك أخبر الحق سبحانه بحالهم وعاقبة أمرهم وما سيحل بهم إذ لجوا في الطغيان والنفور والعناد بعد أن دعوا إلى الإيمان فقال تعالى:
{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} وهذا الخبر عنهم وعن أمثالهم في هذه الآية الكريمة مؤكدا بالواو واللام ونون التوكيد، لم يتخلف أبدا منذ عرفت دعوة الله مسيرتها في الأرض، من عهد نوح إذ قال عن قومه: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} نوح 7، إلى عصرنا الحالي وقد استأسد فيه ورثتهم وتلامذتهم من عصابات العلمانية ودعاة الانحلال والفساد ممن مردوا على السخرية من القرآن الكريم وتعاليمه وقيمه والعاملين به.
إن الله تعالى إذ خلق الاجتماع البشري جعل لأمنه سننا يختل بانتقاضها، ولنظامه منهجا لا يستقيم إلا به، وبنو إسرائيل قد عصوا ربهم، وأخلوا بسنن الحياة وتمردوا على منهج الله القويم، فكان لزاما أن يجنوا ثمار إخلالهم بالسنن الكونية والمنهج الرباني، وأول هذه النتائج في الدنيا الفرقة والاحتراب كما قال تعالى عنهم: