النار). ولذلك ختم الحق سبحانه أحكام الأيمان لغوا أو معقودة أو غموسا محذرا من إهدارها أو التلاعب بها فقال:
{وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} احفظوها من تسيب الألسنة ومن النسيان ومن الاستهانة بخطر نتائجها في العلاقات الإنسانية والاجتماعية وبين يدي الله في الآخرة {كَذَلِكَ} بمثل هذا البيان المفصل لأحكام الكفارات {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} يبين الله تعالى لكم دائما أعلام شريعته وأحكام دينه وسبيل نيل رضاه {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تشكرون نعمه وفضله وعنايته بعباده المؤمنين.
وفي سياق معالجة آثار ما قد يتسرب إلى المجتمع الإسلامي الجديد من رواسب الديانات وفاسد الأعراف والتقاليد، وعملا على تطهيره من عوامل الضعف والاستهتار التي قد تعصف به يأتي القول الفصل في تحريم مشارب ومطاعم ومكاسب كانت مباحة لدى اليهود والنصارى ومشركي الجاهلية العربية بقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وجدير بالذكر أن هذه الآفات الاجتماعية كانت سائدة في المجتمعات العربية مشركة ويهودية ونصرانية، وفي ذروة الإقبال على الإسلام خلال السنة الأخيرة من الهجرة النبوية كان موضوع حليتها وحرمتها يثار كلما دخل في دين الله فوج جديد، فأصبح ضروريا أن يحسم الوحي في أمرها وقد آذن بالانقطاع في آخر سورة تنزل، بعد أن سار التدرج التشريعي نحو هذه الغاية خطواته الأولى من قبل بقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} البقرة 219، ثم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} النساء 43، وما صاحَبَ ذلك أو تلاه من نهي للسنة النبوية عنها وتنفير منها، ثم نزلت هذه الآيات من سورة المائدة حاسمة جازمة لا تقبل تأويلا أو تهاونا، ووصف الحق تعالى هذه الآفات بحقيقة أمرها فقال إنها: {رِجْسٌ} ، والرجس لغة هو كل ما يُستقذَر ويُستخبَث، يطلق على كل نجس وكل محرم، كما يطلق على الشرك والنفاق في قوله