فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 278

وكما ذكر الحق تعالى تحريم صيد البر في هذه السورة ثلاث مرات بقوله في أولها {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} المائدة 1، وقوله: {وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا} المائدة 2، وقوله: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} المائدة 95، أكد هذا التحريم للمرة الرابعة كيلا يختلط الأمر على السامع مع آية إباحة صيد البحر وطعامه، فقال تعالى:

{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ورد التحريم هنا مقرونا بالحث على التقوى وارتقاب يوم الحشر والحساب زيادة في التحذير من المخالفة والتخويف من عذاب يوم الدين.

إن هذا التركيز على تحريم صيد البر يبدو للمتعجل مبالغة وتشددا، ولكن المتبصر لأحوال الناس وعاداتهم وطباعهم سرعان ما تنكشف حكمته، على الصعيد التربوي والاجتماعي والاقتصادي.

أما على الصعيد التربوي فلأن الصيد بعد أن كان مجرد سعي للقوت اليومي أصبح لدى بعض المجتمعات هواية وبطولة زائفة يفاخَر بها ويُتنافَس من أجلها، وتختل بها العلاقات الإنسانية الطبيعية، وتحول لدى مجتمعات أخرى عبثا أهوج يبيد الطير والوحش والحَشَر، ويختل به التوازن الطبيعي الذي خلقه الله تعالى للكائنات البرية.

وعلى الصعيد الاقتصادي صار الصيد البري إتلافا للثروة الحيوانية التي هي ملك للأمة، وإتلافا للبيئة الغابوية التي ينبغي أن تصان وتستثمر، وصرفا لجهود هواة الصيد عن الخدمات الاجتماعية الهادفة المنتجة والأعمال النافعة لبلادهم ومجتمعاتهم.

وعلى الصعيد الاجتماعي انصرف المبتلون بهواية الصيد عن القيام بواجباتهم اليومية وخدمة أسرهم وأبنائهم كلما غابوا له، وانشغلوا بعد عودتهم منه بذكر مغامراته وطرائفه وأصناف طرائده، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن) ، وقال حسين بن عاصم: سألت ابن القاسم عن صيد الحيتان لذوي المروءات، هو أخف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت