عندك أم صيد البر؟ قال:"لا أرى لأحد صيدَ البر إلا لأهل الحاجة إليه الذين عيشُهم ذلك، وصيد البحر والأنهار عندي أخف من ذلك"، وكأني رأيته لا يرى بأسا في صيد الحيتان. وقال محمد بن رشد: كره مالك الصيد على وجه التلهي به إلا لمن اتخذه مكسبا، أو رجلٍ قَرِمٍ إلى اللحم غنيا كان أو فقيرا. وكان الليث يكره التلهي به أيضا ويقول: ما رأيت حقا أشبه بباطل منه، يعني أنه حق لحلاله، وأنه يشبه الباطل لما فيه من اللهو والطرب. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كُلُّ ما يَلهُو به الرجلُ المسلِمُ باطِلٌ إلا رَمْيَهُ بِقوسِهِ وتَأدِيبَهِ فَرَسَهُ ومُلاعَبَتَه أهلَهُ فإِنَّهُنَّ من الحقِّ) .
وكما جعل الله تعالى البيت الحرام وفترة الحج والعمرة سببا لأمن الحيوان وحشا وطيرا وحرم قتله وقرر عقوبة الاعتداء عليه، جعل ذلك سببا لأمن الناس وسلامتهم فقال:
{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ} وقد ذكر الحق سبحانه الكعبة من قبل وقصد بها حرمها وجوارها الذي تؤدى فيه المناسك ويذبح فيها الهدي، ثم ذكر الكعبة في هذه الآية وبين أنها البيت الحرام والبناء الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما سبق بيان ذلك في سورتي البقرة وآل عمران. أما جعلها قياما للناس في قوله تعالى: {جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} فلفظ القيام أصل الياء فيه واو قلبت ياء لانكسار ما قبلها، أي ما يقوم به أمر الناس حجاجا ومعتمرين ومجاورين، وما يتحقق به أمنهم ومصالحهم ومنافعهم ويسود به فيهم التصافي والتعافي وينصرفون به عن العدوان، وتنجذب به أفئدتهم نحو الخير والبر، وتجلب به إليهم الثمرات والأرزاق على ندرة زرعه وقلة أمطاره وجفاف طقسه، تلبيةً لدعوة إبراهيم عليه السلام بقوله فيما ذكره القرآن الكريم: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} إبراهيم 37.
وعزز الحق سبحانه هذا الجعل بإنزاله التشريعات الملزمة بتوقير البيت وتعظيم حرماته وتأمين من قصده أو أقام فيه فقال عز وجل: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ