وأقمتم عليهم الحجة، كما لا يضركم في الدنيا كيدهم وعداوتهم، لأن الباطل دائما زهوق أمام الحق، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران 139، وقال صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) . فإن غاظكم ما ترون منهم فإنما {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: فسوف تعودون إلى الله عز وجل جميعا فيجازي المحسن منكم ويعاقب المسيء وينبئكم بمن تكون له عاقبة الدار.
قد يُتَوَهَّمُ من هذه الآية جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مادام ضلال الغير لا يضر المؤمن، كما تأول ذلك بعض المسلمين في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فقال لهم:"إنكم تقرؤون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب)، وسئل أبو ثعلبة الخُشَني: كيف تصنع في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} ؟، فقالَ: أما واللَّهِ لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: (بلِ ائتَمِروا بالمعروفِ وتَناهوا عنِ المنكرِ، حتَّى إذا رأيتَ شُحًّا مطاعًا وَهَوًى متَّبعًا ودُنْيا مؤثَرةً وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيِهِ، ورأيتَ أمرًا لا بدَّ لَكَ منهُ فعليكَ بنَفسِكَ، وإيَّاكَ وأمرَ العوامِّ، فإنَّ مِن ورائِكُم أيَّامَ الصَّبرِ، صبرٌ فيهنَّ علَى مثلِ قبضٍ على الجمرِ، للعاملِ منكم يومئذٍ كأجرِ خمسينَ رجلًا يعمَلونَ مثلَ عملِهِ) .
وخلاصة الحق في هذه القضية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مؤمن لأنه أهم صفة من صفات خيرية الأمة الإسلامية بعد الإيمان، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران 110. والناس من ذلك على مراتب أدناها عند الضعف واشتداد الفتن وطغيان العزة بالإثم فيكون الإنكار بالقلب وإرشاد القابلين للنصح من غير ضجيج أو إثارة، وأعلاها أن يصدع المرء بالحق آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر طبقا لما أرشد إليه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم إذ قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند