ثم لتوثيق شهادتهما باليمين قال تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} توقفون الشاهدين وتستوثقون منهما وتقدمونهما للحلف بعد صلاة العصر كما فعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم في مثل هذه الحالات، وكان هذا الوقت عندهم معهودا للقضاء وفصل الدعاوى والتحليف {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ} فيُستقسمان بالله قسما موثقا عند الارتياب في شهادتهما بقولهما: إننا {لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا} لا نسعى بما شهدنا به إلى تحصيل مكسب دنيوي ولا نبتغي به إلا وجه الله تعالى {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} ولو كان المشهود له أو عليه قريبا لنا أو صديقا، أو لنا فيه منفعة أو مضرة {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} ولا نكتم الشهادة التي أضافها الله إلى نفسه تشريفا لها وتعظيما لأمرها، وأوجب علينا حفظها من وقت تحملها إلى حين أدائها، وحرم علينا كتمانها وتزويرها بالنقص أو التحريف أو الزيادة، فإن كان منا أي إخلال بها {إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} فإننا إذا مستحقون الإثم ومتلبسون به.
{فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ} وفعل"عثر"في الآية يعني الوقوع على أمر لم يكن معلوما، يتعلق بحالة المورِّث الذي يموت في سفر أو هجرة، وليس للورثة سبيل إلى معرفة ما ترك ولا بماذا أوصى إلا شاهدان يحضران مماته، فيقيمان شهادتهما عليه، وعلى ما كان معه عند الموت من مال، ثم يتبين من قرائن الأحوال أنهما لم يقيما الشهادة على حقها وهو قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} أي فإن علم أنهما استحقا إثم خيانة الشهادة بما يضيع حقوق الورثة، فالقول قول مستحقي الميراث (فَآخَرَانِ) شاهدان من أولياء الميت أو من الورثة أو الموصىَ إليهم (يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا) في أداء اليمين وبيان مال المتوفى وماذا أراد بتركته {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ} أي من الورثة الذين كاد ينزل بهم ظلم شاهدي الزور السابقين وإثمهم وهم المجني عليهم من أهل الميت وعشيرته ووارثيه {الأَوْلَيَانِ} الأحَقَّان بالشهادة من بين الورثة أو الموصَى إليهم {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} فيحلفان بالله أن شهادتهما أحق وأصدق من يمين الشاهدين السابقين، وأنهما