لم يعتديا في الحكم عليهما بالخيانة، وأنهما لمن الظالمين إن كان ردهما للشهادة السابقة من أجل الحصول على ما ليس لهما. قال مجاهد في معنى الآية::"هُوَ أَنْ يَمُوتَ الْمُؤْمِنُ فَيَحْضُرَ مَوْتَهُ مُسْلِمَانِ أَوْ كَافِرَانِ فَلَا يَحْضُر غَيْرُهُمَا، فَإِنْ رَضِيَ وَرَثَتُهُ بِمَا شَهِدُوا عَلَيْهِ مِنْ تَرَكَتِهِ فَذَلِكَ، وَيَحْلِفُ الشَّاهِدَانِ أَنَّهُمَا لَصَادِقَانِ، {فَإِنْ عُثِرَ} : وُجِدَ لَطْخٌ أَوْ لَبْسٌ أَوْ تَشْبِيهٌ، حَلَفَ الْأَوْلَيَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَاسْتَحَقَّا، وَأَبْطَلَا أَيْمَانَ الشَّاهِدِينَ الْأَوَّلَيْنِ".
إن موضوع هذه الآيات الكريمة من أدق التشريعات في باب إثبات الحقوق المتعلقة بالوصية في حال الاحتضار والموت في السفر أو الاغتراب بغير أرض الإٍسلام، وقد عمد الشرع الحكيم إلى اعتماد أول طرق الإثبات في الإسلام وهو الشهادة، لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} البقرة 282، وقوله صلى الله عليه وسلم: (شاهداك أو يمينه) ، وقوله لمن سأله عنها: (ترى الشمس؟) قال: نعم، فقال: (على مثلها فاشهد أو دَعْ) . وقد كانت مسطرة الإثبات في هذه الحالة التي ساقها القرآن الكريم مراعية لكافة المحاذير المرتقبة، كما كان حرص الشريعة قبلها شديدا على أن يكتب الموصي وصيته في حال من القوة الجسدية والعقلية، حتى إن عبد الله بن عمر ليقول: (لا يحل لمؤمن إلا أن يبيت ووصيته مكتوبة قد وضعها تحت وسادته) . ولذلك ختم الوحي الكريم تشريعه في هذه الحالة منبها إلى أن هذه المسطرة الإثباتية الموثقة باليمين واليمين المضاد هي الأقرب إلى الحسم في إقرار الحقوق وفض المنازعات عند حصول الوفاة في السفر أو الغربة وعدم توثيق الوصية كتابة فقال تعالى:
{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} ذلك الأسلوب في التحري والاستقصاء والتثبت أبعد عن الظلم وأقرب إلى إثبات الحقوق لأهلها، لأن الشهود تحت هذا الإجراء بين أمرين: أن يؤثروا الحق لذاته فيؤدوا الشهادة على وجهها، وبين أن يخافوا أن ترد أيمانهم بالأيمان المضادة فيفتضح كذبهم وتكشف خيانتهم {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} .