وكفرانا، قال تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الجاثية 28.
يقول عز وجل في هذا اليوم لرسله عليهم السلام: {مَاذَا أُجِبْتُمْ} بماذا أجابكم أقوامكم إذ دعوتموهم إلى الحق؟، وهو تعالى يعلم ما أجيبوا به، والرسل عليهم السلام يعرفون بِمَ أجيبوا، فمنهم من لم يتبعه أحد، ومنهم من اتبعه الرجل أو الرجلان كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (عرضت عليّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي يمر ومعه الثلاثة والاثنان، والنبي يمر ومعه الرجل الواحد، والنبي يمر وليس معه أحد، إلى أن رُفع لي سواد عظيم فقلت: هذه أمتي، قيل: ليس بأمتك، هذا موسى وقومه. إلى أن رفع لي سواد عظيم قد سد الافق، فقيل: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) .
ولما كان سؤال الله تعالى للرسل يتضمن معنى التوبيخ والتهديد لمن أعرض عن دعوتهم وكفر بهم أو حاربهم أو طاردهم أو قتل بعضهم، وكان مقام الرهبة بين يدي الله لا يجيز أن ينبئوه تعالى بما يعلم في السماوات والأرض فقد وكلوا الأمر إلى علمه عز وجل وإلى إحاطته بمواقف أقوامهم، وذلك أقوى شهادة على الكفار وأعظم بلاء لهم وأشد نكاية بهم وأبلغ شكوى إلى الله بعدوانيتهم وظلمهم إذ كان جوابهم:
{قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا} قالوا لربهم: هم أقوامنا عبادك وتعلم ما في قلوبهم من الكفر أو الإيمان، أو الجحود أو الإحسان، وتعلم من أجاب دعوة التوحيد مخلصا ومات عليه ثابتا، ومن أجابها نفاقا ثم ختم عليه بتوبة أو إصرار، وتعلم من حاربها واعتدى على أنبيائها ورسلها ومن نصرهم وعزرهم وجاهد تحت رايتهم، وتعلم ما كان من أمرهم بعدنا وما لهم من رحمتك وما عليهم من عقوبتك، ونحن عبيدك ورسلك لا نتألى عليك أو ندعي علما غائبا عنك وإنما هو منا العلم بالظواهر ظنا وأنت أعلم بالسرائر حقا {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} علام ما غاب عن جميع المخلوقات، علمك