41، وقوله عز وجل في شهادته على من هجر القرآن من أمته: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} الفرقان 30.
ولئن كان سؤاله عز وجل لرسله عليهم السلام: {مَاذَا أُجِبْتُمْ} تعريضا بمن تمرد على دعوتهم وتوبيخا لهم وتهديدا بسوء مصيرهم، فإن أشد الأمم استحقاقا لذلك هم من كفر بدعوة المسيح عليه السلام بعد أن رفعه الله إليه، لأن غيرهم من الأمم طعنوا في الرسل وجحدوا محتوى الرسالة، أما النصارى فقد طعنوا في المرسِل سبحانه، فوصفوه بما لم يصفه به عاقل ودخلوا بذلك في الكفر من شر أبوابه إذ ادَّعَوْا له الزوجة والولد، قال تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} مريم 90 - 91. لذلك خصهم الحق تعالى بالتوبيخ والتقريع لجراءتهم وشركهم وسوء مقالتهم وجحودهم نعم الله عليهم وعلى رسولهم عيسى بن مريم عليه السلام، وخاطبه بمحضر جميع الرسل عليهم السلام وكافة من حشر وعلى مسمع من قومه: {إِذْ قَالَ اللَّهُ} في ذلك اليوم الذي جمع فيه الرسل:
{يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} يذكره الحق سبحانه بنعمته عليه إذ اختاره من بين خلقه للنبوة، وخصه بالفضل والتكريم والمعجزات الظاهرة، وما كان التذكير أيضا إلا للمبطلين الذين جحدوه وحاربوه وحاولو قتله، تأكيدا لصدق رسالته إليهم وعلو منزلته عند ربه.
{وَعَلَى وَالِدَتِكَ} ونعمه على أمه مريم عليها السلام إذ اصطفاها عز وجل من قوم مصطفين أخيار أطهار، وكفَّلها نبيا هو زكرياء عليه السلام، وخاطبتها الملائكة حتى قيل إن فيها نبوة ولم يُعلَم أن أنثى كانت من الأنبياء، قال عز وجل: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} آل عمران 42 - 43. ومعلوم أن إنعام الله تعالى عليه وعلى أمه يعد أيضا تكريما لأتباعه يوجب عليهم الحمد والشكر وحسن الاتباع بدل الشرك والكفر والعدوان.