وقد كان مقتضى هذه الآيات البينات والمعجزات الباهرات القاهرات أن يؤمن بنو إسرائيل بعيسى عليه السلام، ويُسلموا للحق الذي جاء به، إلا أن استكبارهم بالباطل وتشبثهم بما ألفوه من عناد وجحود وحرص على المتاجرة بالدين، واستغلال للعامة واستغفال لهم، أدى بهم إلى الشطط والغلو والفجور في معاداة عيسى عليه السلام ومطاردته ومحاولة قتله، فكانت نعمة الله الأخرى عليه إذ أنجاه من مكرهم وكف أيديهم عنه كما هو سياق هذه الآيات بقوله عز وجل:
{وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ} واذكر يا عيسى إذ صرفت شر بني إسرائيل عنك ومنعتهم من الإضرار بك {إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} إذ أتيتَهم بالآيات الواضحة الدالة على نبوتك وبلغتَهم رسالة الإسلام وصححتَ لهم ما حرفوا من الشريعة فقال كفارهم إن ما أتيت به من معجزات مجرد سحر واضح بَيِّن.
ويمضى السياق القرآني في ذكر نعم الله على عيسى بقوله تعالى:
{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} ولفظ الحواريين لغةً من فعل حار يحور حورا، أي رجع ودار، ومنه: يقال حوَّرتَ الخبزة تحويرا إذا أدرتَها لتَضعها في الفرن، ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} أي ظن أن لن يرجع إلى الآخرة. أما في المصطلح القرآني فالحواريون لقب لأصحاب عيسى عليه السلام، وكانوا جماعة مر بهم في سياحته ودَعَاهم إلى اتباع ملَّته ونصرته، فحاروا إلى الحق ورجعوا إليه ولازموه واحتضنوه، وداروا معه حيث دار ونصروه في كل مضمار، يقول تعالى: واذكر يا عيسى يوم ألهَمت الحواريين أن يؤمنوا بي وبرسولي عيسى فآمنوا وأشهدوني على إسلامهم [[1] ].
(1) - لزيادة الشرح يرجع إلى تفسيري لسورة آل عمران ص 165، تحت عنوان:"فطانة الرسل بين وعي العقيدة وحس الحركة والإعداد"، في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} 52 - 53