ويستطرد السياق في عرض فضل الله ونعمه بذكر معجزة أخرى تاسعة هي المائدة التي طلب الحواريون من عيسى إنزالها من السماء فسألها ربه تعالى فأنزلها لهم دليلا على قدرته وتصديقا لنبيه، قال تعالى:
{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} والمائدة لغة وعرفا هي الخِوان عليه الطعام، فإن لم يكن طعام لا تسمى مائدة، من فعل"مادَ"ضيفَه إذا أطعمه وأعطاه. وأما قولهم {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} ففي قراءته خلاف بين القراء أدى إلى خلاف في التفسير. ذلك أن الكسائي قرأ: {هَلْ تسْتَطِيعُ رَبَّكَ} بالتاء في يستطيع، وبفتح الباء في ربك، وهي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد، أي هل تستطيع يا عيسى أن أن تسأل ربك. وقرأ الآخرون: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} لا شكا في قدرة الله ولكن بمعنى: هل ينزِّل ربك مائدة أم لا؟ كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع، أو على اعتبار أن فعل"أطاع"واستطاع بمعنى واحد وأن المعنى: هل يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟. إلا أن إجراء المعنى على الظاهر يقتضي أن الحواريين أخطؤوا بسؤالهم هذا لبشريتهم ولحداثة عهدهم بالإٍسلام، ولذلك استعظم عيسى عليه السلام قولهم ورد عليهم:
{قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} استعظم عيسى هذا القول منهم وأمرهم بالتوبة والإقرار بقدرة الله على كل شيء وبصدق نبيه فيما أخبرهم به، وقال لهم: اتقوا الله ولا تشكوا في قدرته وكرمه إن كنتم مؤمنين به حق الإيمان.